الحوثيون عند باب المندب: كيف أعاد التقدم على الساحل الغربي تشكيل معادلة أمن البحر الأحمر؟

من المخا وميون إلى معادلة هرمز وباب المندب: قراءة في التحولات الميدانية، تدفقات الطاقة والتهديدات المحتملة للملاحة الدولية

Syria Monitor – مركز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية
12
سبتمبر/أيلول 2026

دخلت الحرب اليمنية في سبتمبر/أيلول 2026 مرحلة جديدة بعد التقدم السريع الذي حققته جماعة أنصار الله (الحوثيون) على الساحل الغربي، وسيطرتها على مدينة المخا، ثم تقدمها باتجاه ذباب ووصولها إلى جزيرة ميون/بريم الواقعة داخل مضيق باب المندب.

ولا تكمن أهمية هذا التحول في مساحة الأراضي التي تغيرت السيطرة عليها فحسب، بل في القيمة الاستراتيجية للجغرافيا الجديدة. فالحوثيون، الذين أثبتوا منذ أواخر 2023 قدرتهم على تهديد الملاحة في البحر الأحمر باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والوسائط البحرية، أصبحوا يمتلكون اليوم حضوراً ميدانياً على مقاربات باب المندب وداخل المضيق نفسه.

يتزامن ذلك مع تحول استثنائي في حركة الطاقة العالمية. فقد تراجعت تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبر مضيق هرمز من 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من 2025 إلى 4.9 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من 2026، في حين ارتفعت التدفقات عبر باب المندب من 5.4 ملايين إلى 8.1 ملايين برميل يومياً خلال الفترة نفسها.

وبذلك يتزامن وصول الحوثيين إلى باب المندب مع ارتفاع القيمة الاستراتيجية للممر نفسه باعتباره جزءاً من شبكة المسارات البديلة التي اكتسبت أهمية متزايدة نتيجة اضطراب هرمز.

لا يعني ذلك أن الحوثيين باتوا قادرين على إغلاق باب المندب بصورة كاملة ومستدامة؛ لكنه يمنحهم قدرة أكبر على تهديد الملاحة ورفع تكلفة المرور، ويخلق معادلة إقليمية جديدة يمكن أن يتعرض فيها اثنان من أهم اختناقات الطاقة حول شبه الجزيرة العربية للضغط في الوقت نفسه: هرمز شرقاً وباب المندب غرباً.

أولاً: من المخا إلى ميون.. تحول خريطة الساحل الغربي

شهد الأسبوع الثاني من سبتمبر/أيلول 2026 تحولاً ميدانياً هو الأبرز في اليمن منذ سنوات الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة 2022.

فخلال أيام قليلة، نفذ الحوثيون هجوماً واسعاً على الساحل الغربي، نقل خطوط المواجهة باتجاه المخا وذباب وجزر البحر الأحمر.

وفي 10 سبتمبر، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أمام مجلس الأمن أن الحوثيين سيطروا على مدينة المخا، الواقعة على مسافة تقارب 75 كيلومتراً من باب المندب.

ووصف غروندبرغ التطورات بأنها انتقال لخطر العودة إلى الصراع واسع النطاق من مجرد احتمال إلى «واقع قاسٍ»، مشيراً إلى أن التصعيد الذي بدأ في تعز والحديدة امتد إلى مأرب والجوف والبيضاء.

لم يتوقف التقدم عند المخا.

ففي 11 سبتمبر، أفادت أربعة مصادر في الحكومة اليمنية بأن القوات الحوثية وصلت إلى جزيرة ميون/بريم (Perim/Mayyun) الواقعة داخل مضيق باب المندب.

كما أفادت مصادر حكومية بانسحاب القوات الموالية للحكومة من الجزيرة وسيطرة الحوثيين على ذباب، الواقعة على الساحل اليمني المقابل لميون. وكانت الجماعة قد تقدمت قبل ذلك إلى جزر حنيش بعد سيطرتها على المخا.

وبذلك أصبح محور التقدم الميداني الجديد يمتد تقريباً على النحو التالي:

الحديدة ← جنوب الحديدة ← المخا ← ذباب ← ميون/باب المندب

وهذا التطور يختلف نوعياً عن عمليات الحوثيين السابقة في البحر الأحمر؛ إذ لم يعد تأثير الجماعة على الممر البحري قائماً فقط على إطلاق الصواريخ والمسيّرات من مناطق بعيدة نسبياً، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بوجود بري وجزري قريب مباشرة من خطوط الملاحة.

لماذا ميون تحديداً؟

تقع جزيرة ميون في قلب باب المندب، بين الساحل اليمني والقرن الأفريقي، وتقسم المضيق عملياً إلى قناتين بحريتين.

ويبلغ عرض باب المندب عند أضيق نقطة نحو 29 كيلومتراً فقط، ما يجعله أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

وتكمن أهمية ميون أساساً في موقعها.

فالوجود العسكري في الجزيرة يمكن، بحسب طبيعة القوات والمنظومات المنتشرة فيها، أن يوفر موقعاً متقدماً للرصد والاستطلاع والإنذار المبكر ومراقبة حركة السفن، إضافة إلى دعم تشغيل الطائرات المسيّرة أو الوسائط البحرية والمنظومات المضادة للسفن.

لكن من الضروري التمييز بين امتلاك موقع داخل المضيق والسيطرة على المضيق نفسه.

السيطرة على ميون وذباب لا تعني أن الحوثيين أغلقوا باب المندب، ولا تمنحهم تلقائياً سيطرة بحرية كاملة عليه. لكنها تقلص المسافة بين قدراتهم العسكرية الموجودة أصلاً وبين السفن التي تستخدم الممر، وترفع بالتالي القيمة العملياتية للجغرافيا التي أصبحت تحت سيطرتهم.

ثانياً: باب المندب بالأرقام.. ما الذي أصبح على المحك؟

تكشف بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية EIA عن تحول كبير في حركة النفط العالمية خلال النصف الأول من 2026.

بلغ متوسط النفط والمنتجات البترولية المارة عبر باب المندب:

3.9 ملايين برميل يومياً – الربع الأول 2025

4.5 ملايين برميل يومياً – الربع الثاني 2025

4.6 ملايين برميل يومياً – الربع الثالث 2025

5.4 ملايين برميل يومياً – الربع الرابع 2025

5.6 ملايين برميل يومياً – الربع الأول 2026

8.1 ملايين برميل يومياً – الربع الثاني 2026

وهذا يعني أن التدفقات ارتفعت من 3.9 إلى 8.1 ملايين برميل يومياً خلال نحو 15 شهراً، أي بزيادة تقارب 108%.

ومن إجمالي تدفقات الربع الثاني من 2026، كان نحو 6.1 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات، ونحو مليوني برميل يومياً من المنتجات البترولية.

وتشير بيانات أخرى إلى أن الكميات التي مرت عبر باب المندب في يونيو/حزيران وحده عادل حجمها نحو 7% من إنتاج النفط العالمي.

مؤشر Syria Monitor | تحوّل اختناقات الطاقة

تكشف مقارنة أهم الممرات النفطية عن تغير استثنائي بين نهاية 2025 ومنتصف 2026:

الممر

الربع الرابع 2025

الربع الأول 2026

الربع الثاني 2026

مضيق هرمز

21.6 مليون ب/ي

14.9 مليون

4.9 مليون

باب المندب

5.4 مليون ب/ي

5.6 مليون

8.1 مليون

قناة السويس + SUMED

5.9 مليون ب/ي

5.7 مليون

5.8 مليون

رأس الرجاء الصالح

9.9 مليون ب/ي

8.2 مليون

9.4 مليون

المصدر: U.S. Energy Information Administration – بيانات تتبع الناقلات Vortexa وتحليلات EIA.

تكشف الأرقام عن مفارقة استراتيجية واضحة:

هرمز: 21.6 ← 4.9 ملايين برميل يومياً
انخفاض بنحو 77%.

باب المندب: 5.4 ← 8.1 ملايين برميل يومياً
ارتفاع بنحو 50%.

وبحلول الربع الثاني من 2026، أصبح حجم التدفقات النفطية عبر باب المندب أعلى من التدفقات عبر هرمز بنحو 3.2 ملايين برميل يومياً.

وهنا تبرز أهمية توقيت التقدم الحوثي: فالجماعة وصلت إلى باب المندب في اللحظة التي أصبح فيها الممر أكثر أهمية لمنظومة الطاقة الإقليمية مما كان عليه قبل أشهر فقط.

ثالثاً: السعودية بين هرمز وباب المندب

تمتلك السعودية ميزة استراتيجية لا تتوفر بالدرجة نفسها لجميع منتجي الخليج، تتمثل في خط أنابيب شرق–غرب (East-West/Petroline)، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية عبر شبه الجزيرة العربية إلى ساحل البحر الأحمر، متجاوزاً مضيق هرمز.

ويمتد الخط لمسافة تقارب 1,200 كيلومتر، وكان ينقل خلال الأشهر الأخيرة نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 4–5% من الإمدادات النفطية العالمية.

لكن هذه الميزة تواجه معضلة جغرافية أخرى.

فالنفط الذي يصل إلى البحر الأحمر يمكن أن يتحرك شمالاً باتجاه قناة السويس والأسواق الأوروبية، أو جنوباً عبر باب المندب باتجاه بحر العرب والأسواق الآسيوية.

وبالتالي فإن تجاوز هرمز لا يلغي المخاطر، وإنما ينقل جزءاً من الاعتماد إلى شبكة أخرى يكون باب المندب إحدى عقدها الرئيسية.

ازدادت حساسية هذه المعادلة في 11 سبتمبر، عندما أعلنت السعودية إغلاق خط شرق–غرب مؤقتاً كإجراء احترازي عقب هجمات استهدفت الخط في منطقتي الرياض والمدينة. وقالت السعودية إن الطائرات المسيّرة المستخدمة في الهجوم جاءت من العراق، بينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها فوراً.

وفي 12 سبتمبر، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يعتقد أن إيران «على الأرجح» مسؤولة عن الهجوم، إلا أن ذلك يبقى تقديراً أميركياً وليس إثباتاً معلناً لمسؤولية منفذ محدد.

وهكذا أصبحت منظومة الطاقة السعودية تواجه في وقت متزامن ثلاثة مستويات من المخاطر:

اضطراب هرمز شرقاً،

استهداف البنية التحتية لنقل النفط داخل المملكة،

وتقدم الحوثيين باتجاه باب المندب غرباً.

رابعاً: ماذا يستطيع الحوثيون فعله من الجغرافيا الجديدة؟

لا تقاس خطورة السيطرة على المخا وذباب وميون بحجم هذه المواقع، وإنما بنوعية القدرات العسكرية التي يمكن ربطها بها.

فالحوثيون يمتلكون منذ سنوات ترسانة متنوعة من الصواريخ الباليستية والمجنحة، والطائرات المسيّرة، وقدرات مضادة للسفن ووسائط بحرية، واستخدموا منذ أواخر 2023 عدداً منها في عمليات ضد السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن.

الجديد في سبتمبر 2026 هو تقليص المسافة الجغرافية بين هذه القدرات وبين أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ومن الناحية العملياتية، يمكن للمواقع الجديدة أن توفر بيئة أفضل لـ:

الرصد والاستطلاع البحري؛

مراقبة حركة السفن وأنماط عبورها؛

الإنذار المبكر؛

تشغيل المسيّرات؛

دعم الوسائط والزوارق البحرية؛

ونشر وسائل استهداف ساحلية، إذا جرى نقلها إلى المناطق الجديدة.

لكن يجب الفصل بين القدرة المحتملة والانتشار المثبت.

حتى 12 سبتمبر، لا تكفي المعلومات العلنية المتاحة للجزم بأن الحوثيين نشروا بالفعل منظومات صاروخية ساحلية أو قدرات هجومية نوعية في ميون. ولذلك فإن عملية نقل الأسلحة إلى الجزيرة وذباب والمخا ستكون من أهم المؤشرات التي ينبغي مراقبتها خلال المرحلة المقبلة.

خامساً: تعطيل الملاحة لا يحتاج إلى إغلاق المضيق

لا يمتلك الحوثيون بالضرورة القدرة على إغلاق باب المندب بصورة عسكرية كاملة ومستدامة.

لكن تجربة البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أظهرت أن الإغلاق الكامل ليس ضرورياً لإحداث تأثير اقتصادي كبير.

فالهجمات والتهديدات السابقة دفعت شركات شحن وطاقة دولية إلى تحويل سفنها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس، واستخدام الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح.

وبحسب تقديرات حديثة، انخفضت حركة الشحن في البحر الأحمر بنحو 60% نتيجة الاضطرابات التي بدأت مع الحملة الحوثية على السفن منذ أواخر 2023.

ويعني ذلك أن الحوثيين لا يحتاجون بالضرورة إلى منع السفن جسدياً من المرور.

يكفي رفع احتمالات الاستهداف ومستويات التأمين والمخاطر على الأطقم والسفن إلى درجة تجعل بعض الشركات تعتبر طريق رأس الرجاء الصالح أكثر أماناً، رغم تكلفته ومسافته الأكبر.

وهذا يحول التهديد بالتعطيل بحد ذاته إلى أداة استراتيجية.

وفي 11 سبتمبر، قال المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع إن الملاحة ستظل آمنة لجميع السفن باستثناء السفن السعودية الخاضعة للحظر الذي أعلنته الجماعة سابقاً.

لكن استمرار هذا التمييز يعتمد على قواعد الاشتباك التي ستتبناها الجماعة مع تطور المواجهة.

سادساً: العامل الإيراني

يصعب فصل القدرات العسكرية الحوثية عن الدعم الإيراني المتراكم خلال سنوات الحرب، لكن من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات: الدعم، والتوجيه، والسيطرة العملياتية المباشرة.

في 11 سبتمبر، نقلت رويترز أن التقدم الحوثي الأخير على الساحل الغربي جاء، بحسب مصادر إيرانية، بمساعدة وتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني، وأن طهران وعدت الجماعة بمزيد من التمويل والأسلحة والضباط.

في المقابل، تصف إيران الحوثيين بأنهم حليف مستقل، وتنفي رسمياً أنها تدير عملياتهم العسكرية أو تتعامل معهم باعتبارهم وكيلاً يخضع لقيادتها المباشرة.

وبالتالي، فإن وجود دعم عسكري وتقني إيراني للحوثيين لا يكفي وحده لإثبات أن كل قرار ميداني أو بحري يصدر مباشرة من طهران.

إلا أن القيمة الاستراتيجية التي يمكن أن تحققها إيران من التطورات واضحة: وجود حليف مسلح على باب المندب، بالتزامن مع الصراع حول هرمز، يضيف نقطة ضغط ثانية على شبكة الطاقة والملاحة المحيطة بشبه الجزيرة العربية.

سابعاً: الكلفة الإنسانية.. أكثر من 76 ألف نازح

وراء التحول العسكري السريع تتوسع أزمة نزوح جديدة.

في 10 سبتمبر، قال المبعوث الأممي إلى اليمن إن أكثر من 11,400 أسرة أُبلغ عن نزوحها منذ 3 سبتمبر على مستوى البلاد، وكان معظم النازحين من تعز وجنوب الحديدة.

ومع استمرار المعارك، ارتفع الرقم بسرعة.

وفي أحدث تحديث صادر في 12 سبتمبر 2026، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن عدد النازحين نتيجة التصعيد الأخير تجاوز 76 ألف شخص، محذرة من أزمة نزوح تتفاقم سريعاً مع اتساع القتال.

وتظهر بيانات المنظمة أن تعز والحديدة كانتا في مركز موجة النزوح، فيما تحرك نازحون أيضاً باتجاه مناطق في لحج وعدن وغيرها.

ويعكس ارتفاع العدد خلال أيام سرعة التغير الميداني وهشاشة المناطق الواقعة على امتداد الساحل الغربي.

ثامناً: خمسة مؤشرات تحدد المرحلة المقبلة

رغم سرعة التقدم الحوثي، لا تزال خطوط المواجهة متحركة، وأعلنت القوات التابعة للحكومة اليمنية نيتها محاولة استعادة المناطق التي فقدتها.

لذلك ستحدد خمسة مؤشرات رئيسية اتجاه الأزمة خلال الأسابيع المقبلة:

  1. تثبيت السيطرة على ميون وذباب والمخا

الاحتفاظ بالمواقع الجديدة سيكون أكثر أهمية من مجرد الوصول إليها. أي تحصينات واسعة أو إنشاء مواقع قيادة وإمداد ثابتة سيشير إلى نية الحوثيين تحويل التقدم إلى واقع عسكري طويل الأمد.

  1. نقل قدرات نوعية إلى باب المندب

ظهور رادارات، منصات صاروخية، مسيّرات، زوارق أو وحدات بحرية متخصصة في ميون وذباب سيشكل تحولاً أكثر أهمية من السيطرة الجغرافية نفسها.

  1. طبيعة العمليات البحرية

استمرار حصر التهديد في السفن السعودية سيشير إلى استراتيجية ضغط محددة، بينما توسيع قائمة الأهداف سيزيد احتمالات عودة شركات الشحن إلى تجنب الممر بصورة أوسع.

  1. اتجاه المواجهة السعودية–الحوثية

عودة الضربات العابرة للحدود أو توسعها إلى منشآت الطاقة والموانئ سيشير إلى أن المواجهة خرجت مجدداً من الإطار اليمني الداخلي.

  1. حجم الهجوم المضاد

أعلنت القوات الحكومية نيتها استعادة المناطق التي خسرتها، وبالتالي سيكون حجم القوات والطيران والدعم الخارجي المستخدم في أي هجوم مضاد مؤشراً أساسياً على ما إذا كان تقدم الحوثيين سيتحول إلى واقع دائم أم إلى جولة مؤقتة في معركة الساحل.

تقدير Syria Monitor

من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على المخاطر

تشير المعطيات المتاحة حتى 12 سبتمبر/أيلول 2026 إلى أن المكسب الحوثي الأكثر أهمية لا يتمثل في السيطرة على المخا أو ذباب أو ميون بصورة منفردة، وإنما في الجمع بين الجغرافيا والقدرة النارية.

فالحوثيون امتلكوا القدرة على استهداف السفن قبل وصولهم إلى باب المندب. الجديد هو أنهم أصبحوا يمتلكون حضوراً ميدانياً أقرب إلى الممر الذي كانوا يهددونه من مسافات أكبر.

وفي الوقت نفسه، تغيرت القيمة الاقتصادية لباب المندب.

فبين الربع الأخير من 2025 والربع الثاني من 2026، تراجعت تدفقات النفط عبر هرمز من 21.6 إلى 4.9 ملايين برميل يومياً، بينما ارتفعت عبر باب المندب من 5.4 إلى 8.1 ملايين برميل يومياً.

هذا التزامن يجعل التقدم الحوثي أكثر أهمية من مجرد تغيير في خريطة الحرب اليمنية.

ففي الشرق، يشكل هرمز نقطة الاختناق التقليدية لصادرات الخليج.

وفي الغرب، أصبح الحوثيون يمتلكون مواقع على مقاربات باب المندب وداخل المضيق.

وبين الاثنين تقع السعودية، التي تعتمد على خط شرق–غرب والبحر الأحمر كجزء رئيسي من قدرتها على تجاوز هرمز.

إذا كان خط شرق–غرب يمثل الحل الجغرافي السعودي لمعضلة هرمز، فإن باب المندب يمثل نقطة الاختناق التالية لهذا الحل بالنسبة إلى الصادرات المتجهة جنوباً نحو الأسواق الآسيوية.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود استراتيجية إيرانية–حوثية مقررة لإغلاق المضيقين في الوقت نفسه.

بل يبدو السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب هو استخدام القدرة على التهديد بالتعطيل باعتبارها أداة ضغط عسكرية وسياسية.

فرفع تكاليف التأمين، وإجبار الشركات على إعادة حساب المخاطر، وتحويل جزء من السفن إلى رأس الرجاء الصالح، يمكن أن يحقق أثراً اقتصادياً واستراتيجياً كبيراً من دون الحاجة إلى السيطرة الكاملة على البحر أو إغلاق باب المندب عسكرياً.

وعليه، فإن السؤال الرئيسي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط:

إلى أين سيتقدم الحوثيون؟

بل:

ماذا سينشرون في المواقع التي سيطروا عليها، وكيف سيستخدمون قربهم الجديد من خطوط الملاحة؟

إذا نجح الحوثيون في تثبيت وجودهم في محور المخا–ذباب–ميون وربطه بقدرات الاستطلاع والصواريخ والمسيّرات والوسائط البحرية، فإن الأزمة اليمنية ستكون قد انتقلت من صراع على خطوط السيطرة الداخلية إلى مرحلة يصبح فيها أمن باب المندب جزءاً مباشراً من ساحة الحرب.

وفي هذه الحالة، لن يكون التطور الأهم هو السيطرة على جزيرة صغيرة داخل المضيق، بل نشوء معادلة ضغط جديدة على جانبي شبه الجزيرة العربية:

هرمز شرقاً… وباب المندب غرباً.

بطاقة بيانات | باب المندب – سبتمبر 2026

29 كم — عرض المضيق تقريباً عند أضيق نقطة.

75 كم — المسافة التقريبية بين المخا وباب المندب.

8.1 ملايين برميل/يوم — تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبر باب المندب في الربع الثاني 2026.

6.1 ملايين برميل/يوم — نفط خام ومكثفات.

2.0 مليون برميل/يوم — منتجات بترولية.

+108% تقريباً — ارتفاع تدفقات النفط عبر باب المندب مقارنة بالربع الأول 2025.

4.9 ملايين برميل/يوم — تدفقات النفط عبر هرمز في الربع الثاني 2026، مقابل 21.6 مليوناً في الربع الأخير من 2025.

4–5 ملايين برميل/يوم — الكمية التي كان ينقلها خط شرق–غرب السعودي خلال الأشهر الأخيرة.

+76 ألف شخص — حصيلة النزوح المرتبط بالتصعيد الأخير وفق أحدث تحديث للمنظمة الدولية للهجرة.

10 سبتمبر — تأكيد الأمم المتحدة سيطرة الحوثيين على المخا.

11 سبتمبر — وصول الحوثيين إلى ميون وسيطرتهم على ذباب وفق مصادر حكومية يمنية.

المصادر الرئيسية: مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن (OSESGY)؛ المنظمة الدولية للهجرة (IOM/DTM)؛ إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)؛ وكالة رويترز؛ وكالة Associated Press؛ بيانات وتصريحات رسمية يمنية وسعودية.

إعداد: Syria Monitor – مركز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية
سبتمبر/أيلول 2026



اترك تعليقاً