مركز سيريا مونيتور للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
تقدير موقف أمني محدّث | 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026
تشير التطورات الأمنية التي رصدها مركز سيريا مونيتور خلال النصف الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2026 إلى تزايد مؤشرات التهديد المرتبط بخلايا تنظيم داعش في العراق، مع تسجيل سلسلة متقاربة زمنياً من الهجمات المسلحة والانفجارات التي استهدفت القوات الأمنية والعسكرية، ولا سيما في محافظة كركوك.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بعد اتساع نطاق الحوادث المرصودة من محيط الحويجة إلى داقوق ووادي زغيتون، حيث لم تعد الهجمات تقتصر على استهداف الثكنات والنقاط الأمنية، بل شملت أيضاً التحركات العسكرية وعمليات التفتيش المرتبطة بملاحقة خلايا التنظيم.
وكان أبرز هذه التطورات انفجار عبوة ناسفة في وادي زغيتون يوم 14 تشرين الأول، أدى إلى مقتل ضابط برتبة عميد وأحد منتسبي الجيش العراقي، في حادثة تبرز استمرار خطورة التهديدات التي تواجه القوات حتى أثناء العمليات اللاحقة للضربات الجوية.
وتعزز هذه الوقائع تقدير المركز بأن مستوى الخطورة الأمنية المرتبط بنشاط داعش في العراق يتجه نحو الارتفاع، خصوصاً في كركوك، رغم أن المعطيات المتاحة لا تشير إلى عودة التنظيم إلى السيطرة المكانية أو امتلاكه القدرة على الاحتفاظ بالأرض.
ويأتي هذا التصاعد بالتزامن مع مرحلة التحول في انتشار قوات التحالف الدولي، ما يطرح تساؤلات بشأن قدرة الخلايا على استغلال التغيرات في البيئة الأمنية، من دون أن يشكل التزامن الزمني دليلاً كافياً على وجود علاقة سببية مباشرة بين الانسحاب والهجمات الأخيرة.
كركوك والحويجة: تكرار الهجمات واتساع نطاق التهديد
تظهر بيانات الرصد خلال تشرين الأول أن محافظة كركوك تمثل مركز الثقل الأبرز للنشاط المسلح المرتبط بداعش في العراق، مع تكرار استهداف تشكيلات أمنية مختلفة خلال فترات زمنية قصيرة.
ففي 5 تشرين الأول، تعرضت ثكنة تابعة للواء التاسع في الشرطة الاتحادية عند تقاطع الدناديش بمنطقة البرغلية قرب الحويجة لهجوم مسلح، أسفر وفق المعلومات الأولية التي رصدها المركز عن خمسة قتلى وجرحى.
وفي 6 تشرين الأول، تعرض موقع تابع للواء 61 في الحشد الشعبي ضمن قضاء الحويجة لهجوم مسلح آخر، رغم الإجراءات الأمنية المشددة وحالة الاستنفار التي شهدتها المنطقة.
وفي 7 تشرين الأول، رصد المركز سماع اشتباكات في منطقة داقوق بمحافظة كركوك، بالتزامن مع ورود معلومات عن إصابة شخصين في هجوم مسلح بالمنطقة. ولم تتوافر معطيات كافية لتأكيد مسؤولية داعش عن هذه الحادثة بصورة مستقلة.
أما في 10 تشرين الأول، فقد سُجل هجوم جديد استهدف القوات الأمنية في الحويجة، وسط اشتباكات ومعلومات ميدانية عن طلب إسناد جوي لمواجهة المهاجمين.
وتشير تقارير إعلامية نُشرت في اليوم نفسه إلى وقوع هجوم على موقع عسكري في منطقة البرغلية ضمن قضاء الحويجة، أعقبته مواجهات مع مسلحين من داعش. كما حذرت اللجنة الأمنية في مجلس محافظة كركوك من تصاعد تحركات التنظيم بعد تسجيل ثلاث هجمات خلال أقل من أسبوع.
وفي 10 تشرين الأول أيضاً، رصد المركز استهداف منزل بقنبلة يدوية في منطقة الصيادة بكركوك، ما أدى إلى أضرار مادية. وتبقى هذه الحادثة خارج قائمة الهجمات المؤكدة لداعش إلى حين توافر معلومات تثبت الجهة المنفذة.
ولا تبدو الهجمات الأخيرة منفصلة عن النشاط المسجل خلال أيلول/سبتمبر، عندما رصد المركز عمليات وعبوات ناسفة استهدفت مواقع وتحركات عسكرية في محيط ألتون كوبري والدبس وجبل ماما والحويجة.
إن تكرار الهجمات في نطاق جغرافي متقارب، واستهداف الشرطة الاتحادية والحشد الشعبي والجيش العراقي، يرفع أهمية كركوك باعتبارها منطقة إنذار أمني مبكر، ويشير إلى ضرورة عدم التعامل مع كل حادثة باعتبارها تطوراً منفصلاً عن بقية الحوادث.

وادي زغيتون: تطور أمني يرفع مستوى الخطورة
شهدت محافظة كركوك في 14 تشرين الأول تطوراً أمنياً بارزاً، تمثل في انفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة من الجيش العراقي أثناء تفتيش موقع سبق أن تعرض لضربة جوية في منطقة وادي زغيتون، ضمن قاطع فرقة المشاة الحادية عشرة.
وبحسب المعلومات الميدانية التي تلقاها المركز، وقع الانفجار قرب قرية العواشرة في ناحية الرشاد، واستهدف آلية عسكرية من نوع همر، ما أدى إلى تدميرها ومقتل ضابط وجندي وإصابة آخرين.
وأكدت وزارة الدفاع العراقية مقتل العميد آهات ياسر خضير حسين، آمر آمرية اتصالات فرقة المشاة الحادية عشرة، ونائب الضابط معتز شهيد عباس، خلال تفتيش موقع ضربة جوية استهدفت مضافة لخلايا داعش في وادي زغيتون. ووصفت الوزارة العبوة بأنها من مخلفات التنظيم.
أما حصيلة الجرحى، فقد وردت بشأنها معلومات متفاوتة؛ إذ أشارت معلومات المركز الأولية إلى إصابة اثنين، بينما تحدثت وكالة شينخوا عن ثلاثة جرحى. ولذلك يبقى العدد النهائي للمصابين بحاجة إلى تثبيت.
وتكمن أهمية هذه الحادثة في ثلاثة مستويات مترابطة.
أولها أن استهداف قوة عسكرية خلال مهمة تفتيش يعكس استمرار وجود تهديدات بالعبوات الناسفة في مناطق النشاط السابقة للتنظيم، حتى بعد تنفيذ عمليات عسكرية أو ضربات جوية ضد مواقعه.
وثانيها أن مقتل ضابط برتبة عميد يمثل خسارة نوعية للقوات العراقية من حيث الرتبة والمسؤولية العسكرية، وإن كان ذلك لا يثبت بمفرده وجود استهداف مخطط لشخص الضابط تحديداً.
أما المستوى الثالث فيتعلق بالموقع الجغرافي للحادثة، إذ يضيف وادي زغيتون وناحية الرشاد إلى نطاق المناطق التي سجلت مؤشرات تهديد خلال الفترة الأخيرة، إلى جانب الحويجة وداقوق.
ومن المهم التمييز هنا بين احتمال أن تكون العبوة مزروعة حديثاً لاستهداف التحركات العسكرية، واحتمال أن تكون من مخلفات نشاط سابق للتنظيم. فبيان وزارة الدفاع يتبنى التفسير الثاني، ولا تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بأنها عملية كمين حديثة خُطط لها بعد الضربة الجوية.
ومع ذلك، فإن النتيجة الأمنية لا تقل أهمية: استمرار قدرة العبوات المرتبطة بنشاط داعش على إيقاع خسائر بالقوات العسكرية خلال عمليات الملاحقة والتفتيش.
الأنبار: استمرار نشاط العبوات والمحاور الصحراوية
بالتوازي مع التطورات في كركوك، رصد المركز مؤشرات أمنية في محافظة الأنبار.
ففي 4 تشرين الأول، أدى انفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة أمنية في غرب الأنبار إلى مقتل عنصرين وإصابة اثنين آخرين، وفق المعلومات الأولية.
وفي 6 تشرين الأول، سجل هجوم آخر بعبوة ناسفة في منطقة العبيدي غرب المحافظة، أسفر عن إصابة عنصر واحد على الأقل.
وتأتي هذه الحوادث امتداداً لنشاط سبق أن رصده المركز خلال أيلول/سبتمبر في غرب الأنبار والمحاور الصحراوية، بما فيها نطاق بيجي–حديثة والمناطق المفتوحة المتصلة به.
وتختلف طبيعة التهديد في الأنبار عن الهجمات المتكررة على الثكنات في كركوك؛ إذ يبرز الاعتماد على العبوات الناسفة ضد التحركات العسكرية في مناطق واسعة يصعب تأمين جميع طرقها بصورة مستمرة.
ولا تعني هذه المؤشرات وجود انتشار متصل للتنظيم أو سيطرة على المحاور الصحراوية، وإنما تشير إلى استمرار التهديد الذي تمثله الخلايا الصغيرة ومخلفات نشاطها المسلح.
صلاح الدين: استمرار التهديد خارج كركوك
رصد المركز أيضاً هجوماً بعبوة ناسفة استهدف دورية للحشد الشعبي في منطقة الدجيل جنوب محافظة صلاح الدين.
ورغم أن هذه الحادثة وحدها لا تكفي لإثبات تصاعد مستقل لنشاط داعش في المحافظة، فإن أهميتها تظهر عند وضعها ضمن الصورة الأمنية الأوسع التي تشمل كركوك والأنبار.
ويستدعي ذلك مراقبة الترابط المحتمل بين الحوادث في المحافظات المختلفة، مع تجنب افتراض وجود قيادة عملياتية موحدة أو تنسيق مباشر بينها قبل ظهور أدلة تدعم ذلك.
النمط العملياتي: هجمات قصيرة وعبوات ناسفة واستهداف التحركات العسكرية
تكشف الحوادث المرصودة خلال النصف الأول من تشرين الأول عن استمرار نمط عملياتي يعتمد على وسائل محدودة نسبياً، لكنه قادر على إيقاع خسائر بشرية وإرباك التحركات الأمنية.
ويبرز في هذا السياق استخدام الأسلحة الرشاشة في الهجمات المباشرة على الثكنات والنقاط الأمنية، إلى جانب العبوات الناسفة ضد الآليات والدوريات والتحركات العسكرية.
كما تشير بعض الحوادث إلى استمرار تنفيذ الهجمات خلال ساعات الليل أو الفجر، وهو نمط سبق أن ظهر في نشاط التنظيم خلال الأشهر الماضية.
وتضيف حادثة وادي زغيتون بعداً مهماً إلى هذا التقييم، يتعلق بخطورة العبوات أثناء عمليات التفتيش اللاحقة للضربات الجوية، وليس فقط خلال الدوريات الاعتيادية.
ومن ثم، فإن التهديد الحالي لا يرتبط بالضرورة بامتلاك داعش أعداداً كبيرة من المقاتلين أو القدرة على خوض مواجهات طويلة، بل باستمرار وجود خلايا محدودة ومخاطر متفجرات في بيئات جغرافية تسمح بإيقاع خسائر دون الحاجة إلى السيطرة على مواقع ثابتة.
ماذا تعني المؤشرات الأخيرة؟
إن التطورات المسجلة بين 5 و14 تشرين الأول تجعل تقييم مستوى الخطورة أكثر جدية مقارنة بالأيام الأولى من الشهر.
ففي البداية، تركزت المؤشرات على تكرار الهجمات ضد الثكنات والمواقع الأمنية في الحويجة. أما التطورات اللاحقة، فقد أظهرت امتداد الحوادث إلى داقوق، وتجدد الاشتباكات في الحويجة، ثم وقوع انفجار وادي زغيتون الذي أدى إلى مقتل ضابط كبير في الجيش العراقي وأحد منتسبيه.
ويشير هذا التتابع إلى ثلاث نتائج تحليلية رئيسية.
أولاً، ارتفاع وتيرة الحوادث في كركوك: إن تكرار الهجمات والاشتباكات خلال فترة قصيرة يمثل مؤشراً على استمرار التهديد، ويجعل احتمال وقوع حوادث إضافية مسألة تستحق اهتماماً أمنياً متزايداً.
ثانياً، تنوع الأهداف وطبيعة المخاطر: فقد شملت الحوادث ثكنات ونقاطاً أمنية وتحركات عسكرية وعمليات تفتيش، ما يعني أن المخاطر لا تقتصر على نمط واحد من الاستهداف.
ثالثاً، اتساع النطاق الجغرافي المرصود: إن ظهور حوادث في الحويجة وداقوق ووادي زغيتون يعزز أهمية متابعة المحافظة بوصفها بيئة أمنية مترابطة، دون أن يعني ذلك إثبات وجود شبكة واحدة نفذت جميع الهجمات.
وفي المقابل، لا تتوافر أدلة كافية للاستنتاج بأن التنظيم انتقل إلى مرحلة السيطرة المكانية أو أصبح يمتلك قدرة عسكرية واسعة. كما لا يمكن الجزم بأن كل الحوادث المذكورة نفذتها خلايا داعش.
ولهذا فإن التقدير الأدق هو أن مؤشر الخطورة يتصاعد بصورة أوضح من الأدلة المتاحة على توسع القدرات التنظيمية نفسها؛ فارتفاع الخسائر وتكرار الحوادث يمكن رصدهما، أما حجم الخلايا ومستوى التنسيق بينها وقدرتها الفعلية على الاستمرار فتحتاج إلى معطيات إضافية.
تقدير Syria Monitor
يرى مركز سيريا مونيتور أن التطورات الأمنية خلال النصف الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2026 تعكس ارتفاعاً في مستوى التهديد المرتبط بنشاط داعش في العراق، مع تمركز المؤشرات الأكثر وضوحاً في محافظة كركوك.
وقد انتقلت المحافظة خلال فترة قصيرة من تسجيل هجمات متكررة على مواقع أمنية في الحويجة إلى حوادث أوسع شملت داقوق ووادي زغيتون، وصولاً إلى مقتل العميد آهات ياسر خضير حسين وأحد منتسبي الجيش العراقي خلال مهمة عسكرية.
ويعزز هذا التتابع تقدير المركز بأن كركوك تمثل حالياً منطقة الإنذار الرئيسية، بينما يبقى غرب الأنبار والمحاور الصحراوية المتصلة بصلاح الدين ونينوى ضمن نطاقات المراقبة الأمنية المهمة.
ولا يرى المركز أن المعطيات الحالية تدل على عودة داعش إلى نموذج السيطرة على المدن أو الأراضي. غير أن استمرار وقوع هجمات متقاربة زمنياً ضد تشكيلات أمنية متعددة يشير إلى أن التنظيم، أو التهديدات المتبقية المرتبطة بنشاطه، لا يزال قادراً على التأثير في الوضع الأمني وإيقاع خسائر بشرية.
ومن المتوقع، في ضوء الأنماط المرصودة، أن يظل خطر العبوات الناسفة والهجمات المسلحة القصيرة قائماً خلال المدى القريب، مع بقاء مستوى عدم اليقين مرتفعاً بشأن حجم الخلايا وقدرتها على تنفيذ عمليات متزامنة أو أكثر تعقيداً.
وسيكون العامل الحاسم خلال الأسابيع المقبلة هو ما إذا كانت وتيرة الحوادث ستستمر في الارتفاع، وما إذا كانت ستظهر أدلة على وجود ترابط تنظيمي وعملياتي بين الهجمات المسجلة في مناطق مختلفة.
وعليه، فإن تقدير سيريا مونيتور حتى 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026 هو أن خطورة هجمات داعش والتهديدات المرتبطة به في العراق آخذة في الازدياد، وأن التطورات الأخيرة في كركوك تمثل إشارة إنذار مبكر أكثر وضوحاً من تلك التي ظهرت في بداية الشهر.
ولا تكمن خطورة المرحلة الحالية في احتمال استعادة التنظيم السيطرة على الأرض، بل في احتمال تحول الهجمات المحدودة والمتفرقة إلى نمط أكثر تكراراً واستمرارية، بما يرفع الخسائر البشرية ويزيد الضغط على القوات الأمنية العراقية.