تفجيرات دمشق خلال زيارة ماكرون: قراءة أمنية في الرسائل والدلالات

شهدت العاصمة دمشق خلال أقل من أسبوع حادثتين أمنيتين بارزتين؛ الأولى تمثلت بتفجير عبوة ناسفة داخل مقهى قرب القصر العدلي، أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، فيما وقعت الثانية اليوم بالتزامن مع الزيارة الرسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث انفجرت عبوتان ناسفتان قرب منطقة فندق فورسيزون ووزارة السياحة، ما أدى إلى إصابة 18 شخصاً، بينهم عناصر من الشرطة، دون أن يتعرض الوفد الفرنسي لأي أذى.

ورغم اختلاف الموقعين، إلا أن تقارب التوقيت وطبيعة الوسيلة المستخدمة يثيران تساؤلات حول دلالات هذه العمليات والجهات المستفيدة منها.

تطور في النمط الأمني

تشير العمليتان إلى عودة استخدام العبوات الناسفة منخفضة الكلفة داخل العاصمة، وهو أسلوب يختلف عن العمليات الانتحارية أو الهجمات واسعة النطاق.

ويمنح هذا النمط المنفذين عدة مزايا، أبرزها:

  • سهولة إخفاء العبوات وزرعها.
  • انخفاض مستوى المخاطرة بالنسبة للعناصر المنفذة.
  • تحقيق تأثير إعلامي ونفسي واسع.
  • إرباك الأجهزة الأمنية دون الحاجة إلى شبكات عمليات كبيرة.

اختيار الأهداف

تفجير القصر العدلي

استهداف منطقة مدنية مزدحمة قرب مؤسسة قضائية يحمل أكثر من رسالة محتملة، من بينها:

  • إظهار القدرة على تنفيذ هجمات داخل العاصمة.
  • ضرب الشعور بالأمان في قلب دمشق.
  • تحقيق صدى إعلامي واسع.

تفجيرات اليوم

أما تفجيرات اليوم فقد وقعت بالقرب من فندق فورسيزون الذي أقام فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفي منطقة تضم مؤسسات حكومية، أثناء وجوده في دمشق، في أول زيارة لرئيس دولة من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات.

ووفق السلطات السورية، فإن العبوتين كانتا خارج الطوق الأمني الخاص بالزيارة، ولم يكن الرئيس الفرنسي في الموقع وقت الانفجار.

النمط العملياتي

تشير المعطيات الأولية إلى تشابه واضح في أسلوب التنفيذ، إذ اعتمدت العمليتان على عبوات ناسفة مزروعة مسبقاً بدلاً من الهجمات الانتحارية أو الاشتباكات المباشرة.

ويعكس هذا الأسلوب تفضيل المنفذين للعمل السري، وتقليل احتمالية كشف الخلايا المنفذة، مع تحقيق أثر إعلامي وأمني مرتفع بأقل قدر من الموارد البشرية.

التداعيات المحتملة

من المتوقع أن تؤدي هذه الهجمات إلى تشديد الإجراءات الأمنية داخل دمشق، ولا سيما حول المقار الحكومية والبعثات الأجنبية والوفود الرسمية.

كما قد تدفع السلطات إلى توسيع حملات المداهمة والملاحقة الاستخباراتية للخلايا النشطة، بالتوازي مع إعادة تقييم منظومة حماية الفعاليات والزيارات الدولية.

من المستفيد؟

حتى لحظة إعداد هذا التحليل، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن تفجيرات اليوم، بينما تبنت جماعة متشددة الهجوم السابق على المقهى قرب القصر العدلي وفق تقارير إعلامية.

وبالتالي، فإن توجيه الاتهام لأي طرف بشأن تفجيرات اليوم لا يزال سابقاً لأوانه.

ومع ذلك، فإن طبيعة الهجوم تتوافق مع أهداف الجماعات المتشددة التي تسعى إلى:

  • تعطيل مسار الانفتاح الدولي على دمشق.
  • تقويض صورة الاستقرار.
  • إثبات استمرار قدرتها على العمل داخل المدن.

ولا يمكن في الوقت نفسه استبعاد فرضيات أخرى، وهو ما يتطلب انتظار نتائج التحقيقات الرسمية.

التقدير الأمني (Syria Monitor Assessment)

يرى مركز Syria Monitor أن تكرار استخدام العبوات الناسفة داخل دمشق خلال فترة زمنية قصيرة يشير إلى استمرار وجود بيئة أمنية تسمح بعمل الخلايا السرية داخل العاصمة، رغم التغيرات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الماضية.

وتشير المعطيات إلى أن الشبكات المرتبطة بالميليشيات المدعومة من إيران، إضافة إلى الخلايا المرتبطة بالنظام السوري السابق، لم تُفكك بالكامل، ولا تزال تحتفظ بوجود متفاوت داخل دمشق وريفها، مع امتلاك بعضها القدرة على تنفيذ عمليات أمنية محدودة عند توفر الظروف المناسبة.

وفي المقابل، لا يزال تنظيم داعش يحتفظ بخلايا نشطة داخل سوريا، ويتمتع بخبرة طويلة في تصنيع وزرع العبوات الناسفة وتنفيذ الهجمات منخفضة الكلفة وعالية الأثر الإعلامي، ما يجعله من الجهات القادرة عملياً على تنفيذ هذا النمط من العمليات.

وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن التفجيرات الأخيرة، ولم تصدر نتائج تحقيق رسمية تحدد الجهة المنفذة، لذلك لا يمكن الجزم بالمسؤولية المباشرة لأي طرف.

واستناداً إلى القدرات العملياتية والبيئة الأمنية الحالية، فإن أبرز الفرضيات التي تستوجب التحقيق تتمثل في:

  • خلايا تابعة لتنظيم داعش، بهدف إظهار استمرار قدرته على تنفيذ عمليات داخل العاصمة وتقويض صورة الاستقرار.
  • خلايا مرتبطة بالنظام السوري السابق، تسعى إلى زعزعة الوضع الأمني وإرباك السلطات الجديدة.
  • عناصر أو شبكات مرتبطة بالميليشيات المدعومة من إيران، بهدف توجيه رسائل سياسية وأمنية مرتبطة بالمتغيرات الإقليمية والانفتاح الدولي على دمشق.

ولا يستبعد المركز وجود تداخل أو تعاون محدود بين بعض هذه الشبكات في مجالات الدعم اللوجستي أو تأمين المواد المتفجرة، إلا أنه لا تتوفر حتى الآن أدلة كافية تثبت وجود تنسيق مباشر بينها في هذه الحوادث.

ويرى مركز Syria Monitor أن تكرار هذا النوع من العمليات يمثل مؤشراً على أن دمشق ما زالت تواجه تهديداً من الخلايا النائمة والشبكات السرية، وأن استعادة الاستقرار الأمني الكامل تتطلب استمرار تفكيك البنى التنظيمية المسلحة، وملاحقة خلايا تنظيم داعش، والشبكات المرتبطة بالنظام السابق، والميليشيات المدعومة من إيران، وفق ما ستسفر عنه التحقيقات والعمليات الأمنية اللاحقة.

مؤشرات تستحق المتابعة

  • إعلان أي جهة مسؤوليتها عن التفجيرات.
  • نتائج التحقيقات الرسمية المتعلقة بنوع العبوات وآلية التفجير.
  • تنفيذ عمليات مشابهة خلال الأسابيع المقبلة داخل دمشق أو ريفها.
  • أي حملات أمنية واسعة تستهدف خلايا داعش أو شبكات مرتبطة بالنظام السابق أو الميليشيات المدعومة من إيران.


اترك تعليقاً