حصر السلاح في العراق بين الضغوط الأمريكية والنفوذ الإيراني

مستقبل حصر السلاح في العراق

الفصائل المؤيدة والرافضة، ودلالات زيارة باراك

يشهد العراق مرحلة فارقة في مسار بناء الدولة، إذ تسعى حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى حصر السلاح

بيد الدولة ودمج الفصائل المسلحة في المؤسسات الأمنية الرسمية قبل نهاية سبتمبر 2026.

أسفر هذا المسار عن انقسام واضح: ثلاثة فصائل أعلنت الانضمام، وستة فصائل ترفض التسليم.

جاءت زيارة المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك إلى بغداد وأربيل (15-16 يونيو 2026) لتعزيز هذا المسار

وربطه صراحةً بمستقبل العلاقة الأمريكية-العراقية والانسحاب العسكري الأمريكي المرتقب.

  أولاً: السياق العام — مسار حصر السلاح

:منذ تشكيل حكومة الزيدي في مايو 2026، باتت مسألة حصر السلاح على رأس أولويات السياسة الأمنية العراقية. يستند هذا المسار إلى ثلاثة محددات رئيسية

الضغط الأمريكي المرتبط بانسحاب قوات التحالف من القواعد العراقية بحلول نهاية سبتمبر 2026.

اتفاقية وقف إطلاق النار الأمريكية-الإيرانية التي أضعفت المبررات التقليدية للتسليح خارج إطار الدولة.

رغبة حكومة الزيدي في استعادة السيادة الأمنية الكاملة وتحسين صورة العراق الاستثمارية أمام واشنطن.

شكّلت الحكومة لجنة مختصة لفك الارتباط والاندماج بإشراف القائد العام للقوات المسلحة، وصادق عليها مجلس النواب.

ويُمثّل هذا التحرك اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على فرض سلطتها في مواجهة منظومة فصائلية معقدة تتشابك فيها الولاءات الإيرانية والحسابات السياسية الداخلية

  ثانياً: الفصائل المؤيدة للتسليم 

:أعلنت ثلاثة فصائل حتى الآن التزامها بمسار حصر السلاح

سرايا السلام  الذراع العسكرية للتيار الصدري، وكانت الأسبق في تسليم مقراتها في سامراء للقوات الأمنية بمحافظة صلاح الدين، في احتفالية رسمية بحضور نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول قيس المحمداوي

عصائب أهل الحق  بقيادة قيس الخزعلي، وتمتلك 27 مقعداً برلمانياً مما يعكس توجهها نحو تعزيز النفوذ السياسي على حساب العمل المسلح. أعلنت فك ارتباطها بالحشد الشعبي في 2 يونيو 2026، وشكّلت لجنة مركزية لاستكمال إجراءات التسليم

كتائب الإمام علي  استلمت قيادة العمليات المشتركة ملفاتها وبياناتها الكاملة الخاصة بالمنتسبين والأسلحة والمعدات في 10 يونيو 2026، في خطوة وُصفت بأنها التطبيق الميداني الأول لمسار الدمج

  ثالثاً: الفصائل الرافضة للتسليم 

:في المقابل، أعلنت ستة فصائل رفضها الصريح، متمسكةً بمبررات عقائدية وأمنية

كتائب حزب الله العراقية: أعلنت أن سلاحها “لن يُسلَّم إلا للإمام المهدي”، كاشفةً عن بُعد عقائدي لا تفاوضي. وأشار مسؤول الجماعة أبو مجاهد العساف إلى استعداده لشراء الأسلحة النوعية من الفصائل الخارجة، بما فيها المسيّرات والصواريخ الباليستية والأسلحة المضادة للدروع

حركة النجباء: ترفع شعار “معادلة المقاومة”، مؤكدةً أن التسليم قبل خروج القوات الأجنبية يُمثّل تفريطاً بعنصر ردع أساسي

كتائب سيد الشهداء: حذّرت في 15 يونيو 2026 من نشوء فصائل مسلحة جديدة “إذا استمر الاستفزاز” في ملف نزع السلاح

سرايا أولياء الدم، وأصحاب الكهف، وكتائب كربلاء: شاركت الثلاثة في المواجهات الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية التي اندلعت في فبراير 2026، وترفض أي تفاوض على سلاحها في ظل الوجود العسكري الأجنبي

“تشير معلومات ووثائق اطلع عليها مركز سيريا مونيتور إلى وجود مؤشرات على استمرار تدفق بعض الأسلحة المرتبطة بالفصائل الرافضة ، و أن إيران تمتلك فعلياً جزءاً من أسلحة بعض هذه الفصائل، بالإضافة لوجود عمليات تهريب للأسلحة والصواريخ حتى الآن، ورصدها بشكل شبه يومي دخولها العراق،  مما يجعل قرار التسليم مرتبطاً أصلاً بموقف طهران وليس بقرارات الفصائل منفردةً

وقد لاحظ المراقبون أن سفير إيران في بغداد محمد كاظم آل صادق توجّه لمقابلة رئيس الوزراء بعد ساعتين فقط من لقائه بالمبعوث باراك — وهو توقيت يكشف عن حدة التنافس على التأثير في القرار العراقي

  مقارنة مواقف الفصائل من حصر السلاح 

الموقف

الفصيل

الانتماء

ملاحظة

✔ سلّمت

سرايا السلام

التيار الصدري

الأسبق تسليماً

✔ سلّمت

عصائب أهل الحق

27 مقعداً برلمانياً

لجنة مركزية أُسست

✔ سلّمت

كتائب الإمام علي

موالية لإيران

ملفاتها استُلمت 10/6

✘ رفضت

كتائب حزب الله

قيادة إيرانية عقائدية

السلاح «للمهدي»

✘ رفضت

حركة النجباء

موالية لإيران

خطاب «المقاومة»

✘ رفضت

كتائب سيد الشهداء

موالية لإيران

تهدد بفصائل جديدة

✘ رفضت

سرايا أولياء الدم

فصيل إيراني

شاركت في الحرب

✘ رفضت

أصحاب الكهف

فصيل إيراني

شاركت في الحرب

✘ رفضت

كتائب كربلاء

فصيل إيراني

  رابعاً: زيارة توم باراك — السياق والدلالات 

وصل المبعوث الأمريكي الخاص للعراق وسوريا توم باراك — المعيّن في هذا المنصب بقرار من الرئيس ترامب في 1 يونيو 2026 — إلى بغداد في 15 يونيو، في أولى زياراته بصفته الجديدة، ثم توجّه إلى أربيل في 16 يونيو لمقابلة مسعود بارزاني ومسرور بارزاني ونيچيرفان بارزاني.

:أبرز ما أسفرت عنه الزيارة

البيان الأمريكي-العراقي المشترك: جدّد التأكيد على الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد، مع إبراز حصر السلاح بوصفه شرطاً للتقدم في ملفات الاستثمار والأمن

ربط الانسحاب بالحوكمة: أكدت واشنطن أن استكمال سحب القوات من القواعد العراقية بحلول سبتمبر 2026 مشروط بإحراز تقدم ملموس في ملف الفصائل المسلحة

التنسيق الكردي: أسهمت محادثات أربيل في ترسيخ موقف إقليمي داعم لمسار الزيدي، لا سيما في ظل تأييد نيچيرفان بارزاني للاتفاقية الأمريكية-الإيرانية

«فك الارتباط» عن الملف الإيراني: تسعى واشنطن وفق مصادر مطلعة إلى معالجة الملف العراقي بمعزل عن مسار التفاوض النووي الإيراني-الأمريكي، مما يمنح بغداد هامشاً أوسع للمناورة

أعلن رئيس الوزراء العراقي  الزيدي،  عزمه قيادة وفد اقتصادي عراقي إلى واشنطن لاستجلاء الاستثمار في قطاعَي الطاقة والبنية التحتية، وكشف عن خطط لإنشاء صندوق بمليارات الدولارات بدعم من البنك المركزي والقطاع الخاص ومشاركة دولية. ويُمثّل هذا الإطار الاقتصادي رافعةً سياسية موازية يسعى الزيدي من خلالها إلى تحصين مسار حصر السلاح أمام الفصائل الرافضة 

مؤشرات تقييم السيناريوهات المحتملة

السيناريو الوصف التقدير
النجاح الجزئي استكمال دمج الفصائل المؤيدة، مع تقليص تدريجي لنفوذ الفصائل الرافضة دون إنهاء كامل لظاهرة السلاح خارج الدولة 60%
الجمود التفاوضي استمرار المفاوضات وتأجيل الحسم النهائي مع بقاء السلاح بيد الفصائل الرافضة لفترة أطول 30%
التصعيد الفصائلي رفض بعض الفصائل للمسار الحالي وتشكيل أطر أو كيانات مسلحة جديدة خارج سيطرة الدولة 10%

خامساً: تحديات المسار وسيناريوهات المستقبل 

المؤشر العام لمستقبل حصر السلاح في العراق

العامل المؤثر مستوى التأثير
دعم الحكومة العراقية للمسار مرتفع
الضغط الأمريكي والدولي مرتفع
الموقف الإيراني مرتفع جداً
التزام الفصائل المؤيدة مرتفع
قدرة الدولة على التحقق الميداني متوسط
احتمالية ظهور تشكيلات بديلة متوسط
فرص النجاح الكامل خلال 2026 منخفضة إلى متوسطة

أ. التحديات الهيكلية

غياب آليات تدقيق مستقلة: تُشير مصادر أمنية عراقية إلى أن الإجراءات التنفيذية لحصر السلاح لا تزال قيد الدراسة دون معالم نهائية واضحة، مما يفتح الباب أمام «تسليم رمزي» لأسلحة غير مؤثرة

ملكية الأسلحة الإيرانية: تمتلك طهران أسلحة نوعية موجودة لدى بعض الفصائل، ما يعني أن قرار التسليم يستلزم مفاوضات إيرانية-عراقية-أمريكية موازية

«الوريث المسلح»: تخوّفات جدية من أن تنقل فصائل رافضة أسلحتها النوعية إلى بنى مسلحة جديدة أو تُمرّرها لكتائب حزب الله بدلاً من التسليم الفعلي

نقاش أمن المستودعات: يثير باحثون تساؤلات جدية حول مدى أمان المستودعات المخصصة لحفظ الأسلحة الثقيلة كالمسيّرات والصواريخ بعيدة المدى

 ب. السيناريوهات المحتملة بعد التحليل من مركز سيريا مونيتور

السيناريو الأول ، النجاح الجزئي: تكمل الفصائل الثلاث المؤيدة الدمج الكامل، بينما تبقى الفصائل الرافضة خارج منظومة الدولة مع تقليص تدريجي لنفوذها في ظل الضغط الأمريكي وتراجع الدعم الإيراني

السيناريو الثاني ، الجمود التفاوضي: تُطيل الفصائل الرافضة أمد التفاوض مستثمرةً مبرر الانسحاب الأمريكي، فيتحول حصر السلاح إلى ورقة ضغط دبلوماسية لا إجراءً أمنياً فعلياً

السيناريو الثالث ،  التصعيد الفصائلي: تنفّذ كتائب سيد الشهداء تهديدها بتأسيس فصائل جديدة، مما يُعيد إنتاج أزمة السلاح المتفلت في ثوب مؤسسي مختلف

تقدير موقف مركز سيريا مونيتور

يرى مركز سيريا مونيتور أن عملية حصر السلاح تمثل أهم اختبار أمني وسياسي تواجهه الدولة العراقية منذ انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش. وعلى الرغم من التقدم الذي تحقق عبر انضمام عدد من الفصائل إلى مسار الدمج، فإن المؤشرات الحالية لا تدعم فرضية النجاح الكامل خلال المدى القريب.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن بعض الفصائل الرافضة ما تزال تنظر إلى سلاحها باعتباره جزءاً من منظومة ردع إقليمية تتجاوز الحدود العراقية، الأمر الذي يجعل قرار التسليم مرتبطاً بتوازنات إقليمية ودولية أوسع من الإطار الداخلي العراقي.

وبناءً على المعطيات الحالية، يرجح المركز أن تشهد المرحلة المقبلة تقدماً تدريجياً في ملف الدمج وإعادة الهيكلة، دون الوصول إلى إنهاء كامل لظاهرة السلاح خارج إطار الدولة خلال عام 2026.

  سادساً: التوصيات 

:للحكومة العراقية

اشتراط التحقق الميداني المستقل قبل الإعلان عن إتمام أي مرحلة من مراحل التسليم

تقديم ضمانات أمنية واضحة لمنتسبي الفصائل المنضمة تمنع استهدافهم لاحقاً

التمييز بين الفصائل القابلة للتفاوض والفصائل المرتبطة عقائدياً بطهران، وتبني استراتيجيات مختلفة لكل فئة

للولايات المتحدة

الاستمرار في الدعم الدبلوماسي لحكومة الزيدي دون جعل الانسحاب العسكري شرطاً معلقاً يُقوّي حجج الفصائل الرافضة

تقديم حوافز استثمارية ملموسة مرتبطة صراحةً بالتقدم في ملف حصر السلاح

:على صعيد الرصد والمتابعة

مراقبة مسار السلاح الإيراني الموجود في حوزة الفصائل الرافضة لرصد أي عمليات نقل أو إعادة توزيع

رصد خطاب الفصائل الرافضة لاكتشاف مبكر لأي توجه نحو تأسيس بنى مسلحة بديلة.

  خلاصة 

يمثّل مسار حصر السلاح في العراق اختباراً وجودياً لهوية الدولة العراقية ما بعد حقبة الحشد الشعبي. وعلى الرغم من الزخم الذي أضافته زيارة باراك والتحول الاستراتيجي لفصائل بارزة كعصائب أهل الحق، يبقى النجاح الشامل رهيناً بعاملين محوريين: التزام طهران بعدم تعطيل المسار، وقدرة حكومة الزيدي على تحويل الإعلانات السياسية إلى إجراءات ميدانية قابلة للتحقق والقياس. الشهور الثلاثة المقبلة حتى نهاية سبتمبر 2026 ستكون فاصلة.

صدر عن: مركز سيريا مونيتور للدراسات والأبحاث الاستراتيجية — قسم ورقات السياسات — يونيو 2026



اترك تعليقاً

error: Content is protected !!