مهلة 30 سبتمبر في العراق.. سيناريوهات المواجهة والتسوية بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة

دراسة تحليلية صادرة عن:
مركز سيريا مونيتور للبحوث والدراسات الاستراتيجية
Syria Monitor – Research & Strategic Studies Center

تقدم هذه الدراسة الصادرة عن مركز سيريا مونيتور للبحوث والدراسات الاستراتيجية قراءة تحليلية في مهلة 30 سبتمبر/أيلول 2026 التي حددتها الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة، مع التركيز على مواقف الفصائل الرافضة، والخيارات المتاحة أمام الحكومة، والسيناريوهات الأمنية والسياسية المحتملة بعد انتهاء المهلة.
وتبحث الدراسة في الفرق بين نزع السلاح الفعلي وإعادة دمجه داخل هيئة الحشد الشعبي، كما تحلل احتمالات التسوية والتمديد والتصعيد، وانعكاسات كل مسار على استقرار العراق وسيادته وعلاقاته الإقليمية.

يمثل ملف السلاح خارج سلطة الدولة واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في العراق منذ عام 2003، بسبب تداخل العوامل الأمنية والسياسية والطائفية والإقليمية، وتحول عدد من الجماعات المسلحة من تشكيلات عسكرية غير رسمية إلى قوى تمتلك أجنحة سياسية وكتلاً برلمانية ومؤسسات اقتصادية وشبكات اجتماعية وإعلامية واسعة.
وازداد هذا التعقيد بعد تأسيس الحشد الشعبي عام 2014 لمواجهة تنظيم «داعش»، ثم إقرار قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016، الذي منح الحشد صفة رسمية وجعله جزءاً من القوات المسلحة العراقية ومرتبطاً بالقائد العام للقوات المسلحة. إلا أن هذا الانتقال القانوني لم يؤدِّ بالضرورة إلى إنهاء الاستقلال الفعلي لبعض الفصائل، إذ واصلت تشكيلات عدة الاحتفاظ بقياداتها الداخلية وعلاقاتها الخارجية ومخازن أسلحتها وقنوات تمويلها وقدرتها على اتخاذ قرارات عسكرية بعيداً عن الحكومة.
وبذلك، أصبح العراق أمام مستويين متداخلين من التشكيلات المسلحة: الأول يتمثل في هيئة الحشد الشعبي بوصفها مؤسسة رسمية، والثاني يتمثل في فصائل تحمل ألوية وأرقاماً داخل الهيئة، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوية تنظيمية وعقائدية وقيادية مستقلة. كما توجد جماعات وشبكات أصغر تعمل خارج الإطار الرسمي بصورة كاملة أو تستخدم أسماء مؤقتة لتنفيذ هجمات لا تتبناها الفصائل الرئيسية بصورة مباشرة.
لذلك، فإن استخدام تعبير «نزع سلاح الحشد الشعبي» لا يصف العملية الحالية بدقة. فالحكومة العراقية لا تتجه، وفق خطابها الرسمي، إلى حل الهيئة أو نزع سلاح جميع ألوية الحشد، وإنما تسعى إلى إنهاء ازدواجية السلاح والقرار، ومنع الفصائل من تنفيذ عمليات داخل العراق أو خارجه من دون موافقة القائد العام للقوات المسلحة.
وتأتي مهلة 30 سبتمبر/أيلول 2026 في ظل ظروف داخلية وإقليمية مختلفة عن المحاولات السابقة. فقد تعرضت الحكومة العراقية لضغوط متزايدة نتيجة الهجمات التي انطلقت من الأراضي العراقية ضد مصالح أميركية ودول مجاورة، وما أعقبها من ضربات استهدفت مواقع وعناصر مرتبطة بالفصائل. كما أدى تراجع نفوذ إيران في بعض ساحات المنطقة، وسقوط النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول 2024، إلى إضعاف جزء من خطوط الإمداد والربط الجغرافي التي كانت تعتمد عليها الفصائل العراقية.
في المقابل، لا تزال الفصائل الرافضة تمتلك عوامل قوة مهمة داخل العراق. فهي ليست مجموعات معزولة يمكن تفكيكها بقرار إداري، وإنما جزء من منظومة سياسية وأمنية واقتصادية واسعة، ولها حضور داخل البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة. كما يمتلك بعضها خبرة قتالية وقدرات صاروخية وطائرات مسيّرة وشبكات انتشار يصعب حصرها بصورة كاملة.
من هنا، لا تتعلق المواجهة المقبلة بالسلاح وحده، بل بموقع الفصائل داخل النظام العراقي وبقدرة الحكومة على تغيير التوازن الذي نشأ خلال العقد الماضي. فأي محاولة جادة لتفكيك البنية العسكرية المستقلة ستؤثر في النفوذ السياسي والمالي للفصائل، وقد تدفعها إلى استخدام أدوات متعددة لعرقلة العملية، تبدأ بالضغط السياسي والإعلامي ولا تنتهي عند التهديد الأمني أو تحريك الشارع.
وتبحث هذه الدراسة في مدى جدية مهلة 30 سبتمبر، ومواقف أبرز الفصائل منها، وقدرة الدولة على تنفيذها، مع التركيز على طبيعة الرفض الذي تبديه التشكيلات الأكثر ارتباطاً بمحور «المقاومة»، والمسارات التي قد تتخذها الخلافات إذا فشلت المفاوضات أو حاولت الحكومة فرض قراراتها بالقوة.
تعتمد الدراسة على تحليل البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة العراقية وائتلاف إدارة الدولة وهيئة الحشد الشعبي، إلى جانب مواقف الفصائل وقياداتها السياسية والعسكرية، والتقارير الصحفية المحلية والدولية، والمعلومات الواردة من مصادر وشبكة باحثي ومراسلي مركز Syria Monitor في العراق والمنطقة.
وتفرق الدراسة بين ثلاثة مستويات من المعلومات:
مواقف أو إجراءات معلنة رسمياً من الحكومة أو الفصائل.
معلومات منسوبة إلى مصادر سياسية وأمنية ولم يصدر بشأنها إعلان رسمي.
تقديرات تحليلية مبنية على سلوك الفصائل وتجارب الحكومات العراقية السابقة.
كما تميز الدراسة بين أربعة مفاهيم يجري استخدامها أحياناً باعتبارها عملية واحدة:
1. تسليم السلاح: نقل الأسلحة إلى مخازن تديرها الحكومة أو هيئة الحشد الشعبي.
2. الاندماج: إدخال العناصر والوحدات ضمن مؤسسة رسمية وتسلسل قيادي حكومي.
3. التفكيك: إنهاء الهيكل التنظيمي المستقل ووقف التجنيد والتمويل والقيادة المنفصلة.
4. نزع السلاح الفعلي: فقدان الفصيل قدرته على الوصول المستقل إلى الأسلحة أو إصدار قرار باستخدامها.

مهلة 30 سبتمبر ودلالات التوقيت
حددت الحكومة العراقية يوم 30 سبتمبر/أيلول 2026 موعداً نهائياً لإنهاء النشاط المسلح خارج مؤسسات الدولة. ولا يبدو اختيار التاريخ منفصلاً عن موعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، التي تستخدمها الفصائل الرافضة بوصفها مبرراً رئيسياً لاستمرار سلاحها.
وتقوم المقاربة الحكومية على معادلة مفادها أن انتهاء مهمة التحالف يفترض أن يؤدي إلى انتهاء الحاجة إلى وجود فصائل تحمل السلاح تحت عنوان مقاومة القوات الأجنبية. وبعد ذلك التاريخ، يصبح استمرار أي نشاط عسكري خارج أوامر الدولة عملاً غير قانوني لا يمكن تبريره بوجود قوات أجنبية.
وقد رفع ائتلاف إدارة الدولة سقف التحذير عندما أعلن أن أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة بعد انتهاء المهلة سيُعامل وفق القوانين النافذة، بما فيها قانون مكافحة الإرهاب. وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية لأنها لم تصدر عن الحكومة وحدها، وإنما عن ائتلاف يضم القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية، وبحضور قيادات تنفيذية وتشريعية وقضائية.
لكن الصياغة المعلنة تترك مساحة واسعة للتفسير. فهي تتحدث عن «السلوك المسلح» خارج الدولة، ولا توضح بصورة تفصيلية آليات جمع الأسلحة أو الجهات التي ستتولى التفتيش والتخزين، ولا مصير الأجنحة السياسية والاقتصادية للفصائل، ولا كيفية التعامل مع الأسلحة والمقار التي لم يجرِ تسجيلها رسمياً.
كذلك لم تعلن الحكومة حتى الآن خطة تنفيذية متكاملة تحدد:
الفصائل المشمولة بالمهلة بصورة واضحة.
أنواع الأسلحة المطلوب تسليمها.
المواقع والمخازن التي ستستقبل السلاح.
مصير عناصر الفصائل وقياداتها.
آليات التحقق من تسليم كامل الترسانة.
العقوبات التي ستُفرض على الجهات الرافضة.
الجهة العسكرية التي ستنفذ القرارات عند حصول رفض مسلح.


ويشير غياب هذه التفاصيل إلى أن المهلة تحمل حتى الآن طابعاً سياسياً وردعياً أكثر من كونها برنامجاً تقنياً متكاملاً لنزع السلاح. وقد تكون الحكومة قد حددت موعداً نهائياً بهدف دفع الفصائل إلى التفاوض وقبول تسوية تدريجية، وليس بهدف بدء عملية عسكرية واسعة فور انتهاء المهلة.
كما يرتبط التوقيت بحاجة الحكومة إلى إظهار قدرتها على منع استخدام العراق ساحةً للصراع بين إيران والولايات المتحدة ودول المنطقة. فاستمرار الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية قد يعرّض البلاد لضربات خارجية وعقوبات مالية وضغوط اقتصادية، ويهدد علاقاتها مع دول الخليج.
وعليه، تمثل المهلة اختباراً لثلاث قضايا مترابطة:
قدرة الحكومة على احتكار القرار العسكري.
قدرة القوى السياسية على توفير غطاء داخلي لمواجهة الفصائل.

قدرة العراق على تجنب التحول إلى ساحة مواجهة إقليمية جديدة. لماذا ترفض بعض الفصائل تسليم سلاحها؟• لا يستند رفض الفصائل إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة من الدوافع العقائدية والعسكرية والسياسية والاقتصادية. فالسلاح بالنسبة إلى هذه الجماعات ليس مجرد وسيلة لمواجهة تهديد أمني، وإنما يمثل أساس نفوذها داخل الدولة والمجتمع.

العقيدة المرتبطة بـ«سلاح المقاومة»
تعتبر كتائب حزب الله وحركة النجباء وعدد من الفصائل الأخرى أن سلاحها مرتبط بمواجهة الوجود العسكري الأميركي والتهديدات الإسرائيلية، وليس حصراً بمواجهة تنظيم «داعش». ولذلك، فإن انتهاء مهمة التحالف بصيغتها الحالية قد لا يكون كافياً لإقناعها بالتخلي عن السلاح.
وقد تعيد هذه الفصائل تعريف مفهوم «الوجود الأجنبي» ليشمل المستشارين الأميركيين أو التعاون الاستخباري أو استخدام الأجواء العراقية من قبل طائرات أجنبية. وبهذا تستطيع القول إن أسباب الاحتفاظ بالسلاح لم تنتهِ فعلياً بعد 30 سبتمبر.
كما تصف بعض الفصائل سلاحها بأنه مرتبط بتكليف عقائدي وشرعي يتجاوز القرارات الحكومية، ما يجعل التفاوض عليه أكثر تعقيداً من التفاوض مع جماعة مسلحة تقوم على مصالح محلية فقط.

2. الخوف من فقدان النفوذ السياسي
منح السلاح الفصائل ثقلاً سياسياً يتجاوز حجم تمثيلها الانتخابي. وقد سمح لها بالتأثير في تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب والقرارات الأمنية والسياسة الخارجية. لذلك، تنظر بعض القيادات إلى نزع السلاح باعتباره بداية لتقليص نفوذها السياسي.
ولا تضمن الفصائل أن يؤدي تسليم سلاحها إلى بقائها لاعباً مؤثراً داخل النظام السياسي، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع ملاحقة ملفاتها الاقتصادية أو إبعاد عناصرها من المؤسسات الأمنية. ولهذا ستسعى إلى الحصول على ضمانات سياسية ومالية وقانونية قبل تنفيذ أي تسليم حقيقي.

3. حماية الشبكات الاقتصادية
ترتبط قوة عدد من الفصائل بشبكات اقتصادية تشمل شركات ومكاتب ومنافذ تجارية وعقوداً عامة وأنشطة تهريب أو جباية غير رسمية. ويؤمّن السلاح الحماية لهذه المصالح ويحد من قدرة أجهزة الرقابة والقضاء على الاقتراب منها.
وعليه، قد تعتبر الفصائل أن نزع السلاح يفتح الطريق أمام تفكيك مصادر تمويلها، وليس فقط إنهاء جناحها العسكري. وهذا يفسر احتمال انتقال المواجهة من الملف الأمني إلى المؤسسات الحكومية والموازنة والمنافذ الحدودية والعقود العامة.

4. انعدام الثقة بالحكومة والولايات المتحدة
تخشى الفصائل أن يكون تسليم السلاح خطوة أولى تتبعها اعتقالات أو عقوبات أو استهداف لقياداتها. كما تخشى انتقال بعض الأسلحة الإيرانية، ولا سيما تقنيات الطائرات المسيّرة والصواريخ، إلى جهات عراقية يمكن أن تتيح للجانب الأميركي الاطلاع عليها.
لذلك قد توافق بعض الفصائل على تسليم أسلحة محدودة أو قديمة، بينما تحتفظ بالأسلحة النوعية في مواقع سرية. وقد تطالب بأن تكون هيئة الحشد الشعبي، وليس الجيش أو جهاز مكافحة الإرهاب، الجهة التي تتسلم الأسلحة.

5. ارتباط السلاح بالتوازن الإقليمي
تتعامل إيران مع الفصائل العراقية باعتبارها جزءاً من منظومة الردع الإقليمية. ومن ثم، فإن نزع سلاحها بالكامل يعني خسارة طهران إحدى أهم أدواتها خارج حدودها، وخصوصاً بعد التغيرات التي شهدتها سوريا ولبنان.
ولهذا يُرجح أن تقبل إيران بإعادة تنظيم الفصائل أو خفض ظهورها العلني، لكنها ستعارض خسارة قدراتها العسكرية بالكامل. وقد تدفع باتجاه الاحتفاظ بوحدات صغيرة ومتخصصة في الصواريخ والطائرات المسيّرة والاتصالات، حتى لو جرى حل بعض التشكيلات الكبيرة أو دمجها رسمياً.

خريطة الفصائل الرافضة وخياراتها بعد انتهاء المهلة
لا تتخذ الفصائل الرافضة لمهلة 30 سبتمبر موقفاً موحداً من حيث درجة الرفض أو القدرة على مواجهة الحكومة. وعلى الرغم من اجتماعها تحت خطاب «سلاح المقاومة»، فإن لكل فصيل حساباته الخاصة ونفوذه السياسي وقدراته العسكرية ومدى استعداده لتحمل كلفة الصدام.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن كتائب حزب الله وحركة النجباء تمثلان الجناح الأكثر تشدداً، بينما تحتفظ كتائب سيد الشهداء بهامش أوسع للتفاوض، وتتحرك حركة أنصار الله الأوفياء غالباً ضمن الموقف العام للفصائل الكبرى.
ولا يعني ذلك أن الفصائل ستدخل في مواجهة موحدة مع الحكومة. فالاختلاف في المصالح السياسية والاقتصادية، والخشية من العقوبات أو الضربات الخارجية، قد يدفع بعضها إلى التسوية، بينما يواصل بعضها الآخر الرفض أو ينتقل إلى العمل السري.


1. كتائب حزب الله: مركز الرفض الأكثر صلابة
تُعد كتائب حزب الله أحد أكثر الفصائل العراقية ارتباطاً بإيران، كما تمتلك خبرة طويلة في العمل العسكري والأمني، وقدرات في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات غير المعلنة. وتتمتع الكتائب بنفوذ يتجاوز تشكيلاتها العسكرية المباشرة، من خلال علاقاتها مع ألوية وشخصيات ومؤسسات تعمل داخل الحشد الشعبي وخارجه.
ويحمل موقف الكتائب أهمية خاصة لأن الفصائل الأخرى تنظر إليها باعتبارها ثقلاً عسكرياً وعقائدياً داخل ما يعرف بـ«تنسيقية المقاومة العراقية». لذلك، فإن موافقتها على أي اتفاق قد تفتح الطريق أمام تسوية أوسع، بينما يمنح رفضها غطاءً للفصائل الأصغر كي تتمسك بأسلحتها.
وقد أعلنت الكتائب صراحة أن سلاحها «ليس للتسليم»، وربطت الاحتفاظ به باستمرار التهديدات الأميركية والإسرائيلية وبالضربات التي استهدفت مواقع الفصائل. ولم يقتصر موقفها على رفض التسليم، بل تحدثت قيادتها عن تطوير الترسانة وتعظيم القدرات العسكرية، في تحدٍّ مباشر للمسار الحكومي.
ويشير هذا الخطاب إلى أن الكتائب لا تنظر إلى مهلة 30 سبتمبر باعتبارها قراراً عراقياً داخلياً فقط، بل تراها جزءاً من الضغط الأميركي الرامي إلى تفكيك القدرات العسكرية لمحور إيران. ومن هذا المنطلق، قد تعتبر تقديم تنازل كامل للحكومة تهديداً لوجودها وهويتها، وليس مجرد إعادة تنظيم للسلاح.
ومع ذلك، لا يعني تشدد خطاب الكتائب أنها ستختار المواجهة العسكرية المباشرة فور انتهاء المهلة. فالخيار الأقرب يتمثل في قبول إجراءات جزئية، مثل:
إخلاء أو إغلاق بعض المكاتب والمقار العلنية.
تسليم كميات محدودة من الأسلحة القديمة أو المسجلة.
نقل جزء من السلاح الثقيل إلى مخازن تابعة لهيئة الحشد الشعبي.
إعادة توزيع العناصر بين ألوية وتشكيلات رسمية.
خفض الظهور العسكري داخل المدن.
تجميد الهجمات الخارجية لفترة محددة.
وفي مقابل ذلك، يُرجح أن تسعى الكتائب إلى الاحتفاظ بالقدرات النوعية، وخصوصاً الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الاتصالات ومجموعات العمليات الخاصة، داخل مواقع غير معلنة أو من خلال تشكيلات تحمل أسماء مختلفة.
ويمنح هذا الأسلوب الكتائب القدرة على الادعاء بأنها تعاونت مع الدولة، من دون أن تفقد كامل قدرتها على العودة إلى النشاط العسكري عند تغير الظروف.
خيارات كتائب حزب الله

تمتلك الكتائب أربعة خيارات رئيسية:
الخيار الأول: التسوية المشروطة
وتقوم على تسليم السلاح إلى هيئة الحشد الشعبي، وليس إلى الجيش أو جهاز مكافحة الإرهاب، مقابل ضمانات بعدم تفكيك البنية التنظيمية وعدم ملاحقة القيادات. ويُعد هذا الخيار ممكناً إذا جرى تقديم التسليم على أنه «تنظيم لسلاح المقاومة» وليس نزعه.
الخيار الثاني: المماطلة
قد تطلب الكتائب تمديد المهلة أو تشكيل لجان مشتركة لحصر السلاح، بما يحول 30 سبتمبر من موعد للتنفيذ إلى بداية لمفاوضات طويلة. وهذا هو الخيار الأقل كلفة والأكثر انسجاماً مع تجارب الحكومات العراقية السابقة.
الخيار الثالث: الانسحاب إلى العمل السري
قد تخفض الكتائب ظهورها العلني وتنقل جزءاً من قدراتها إلى خلايا أصغر، مع استخدام أسماء واجهة لتنفيذ عمليات مستقبلية. ومن شأن ذلك أن يصعّب إثبات مسؤوليتها المباشرة ويمنحها قدرة على الإنكار.
الخيار الرابع: التصعيد المحدود
إذا حاولت الحكومة اقتحام مقار حساسة أو اعتقال قيادات بارزة، فقد ترد الكتائب بتطويق مواقع حكومية أو تنفيذ انتشار مسلح أو استهداف جهات أمنية بصورة محدودة، بهدف إجبار الحكومة على التراجع من دون الانزلاق مباشرة إلى حرب شاملة.

2. حركة النجباء: رفض عقائدي وقدرة على التعطيل
تُعد حركة حزب الله النجباء، بقيادة أكرم الكعبي، من الفصائل الأكثر وضوحاً في رفض نزع السلاح. وتقدم الحركة نفسها بوصفها جزءاً من «المقاومة» العابرة للحدود، ولا تحصر دورها في الدفاع عن الأراضي العراقية أو مواجهة تنظيم «داعش».
وشاركت الحركة في عمليات عسكرية داخل سوريا، كما تبنت خطاباً يقوم على مواجهة الوجود الأميركي ودعم القوى المتحالفة مع إيران في المنطقة. ولذلك، فإن إخضاعها الكامل للأولويات الأمنية العراقية يتعارض مع جزء أساسي من هويتها التنظيمية.
وترتبط الحركة رسمياً باللواء الثاني عشر في الحشد الشعبي، إلا أن وجودها ضمن الهيئة لا يلغي بنيتها وقيادتها المستقلة. وهذا النموذج يوضح المشكلة التي تواجهها الحكومة: فالحركة قانونية من خلال لوائها الرسمي، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بمشروع سياسي وعسكري يتجاوز المؤسسة التي تنتمي إليها.
وربط ممثلون عن الحركة إمكان التخلي عن السلاح بانتهاء الوجود الأميركي والتحليق الأجنبي والتدخل في القرار العراقي. وتسمح مرونة هذه الشروط للحركة بالاستمرار في رفض التسليم حتى بعد انتهاء مهمة التحالف، من خلال القول إن النفوذ العسكري أو الاستخباري الأميركي لم ينتهِ بالكامل.
ومن غير المرجح أن تكون النجباء أول فصيل يدخل في تسوية منفردة؛ لأن ذلك سيضعف صورتها داخل جمهور «المقاومة». إلا أنها قد تقبل باتفاق جماعي إذا شاركت فيه كتائب حزب الله وحصلت الفصائل على ضمانات إيرانية وعراقية مناسبة.
خيارات حركة النجباء
الالتحاق بموقف كتائب حزب الله ورفض أي تسليم منفرد.
قبول انتقال إداري للسلاح إلى هيئة الحشد، مع الاحتفاظ بالقيادة الداخلية.
نقل جزء من العناصر والقدرات إلى تشكيلات أقل ظهوراً.
استخدام الجناح السياسي والإعلامي لمهاجمة الحكومة واتهامها بالخضوع للولايات المتحدة.
تحريك أنصار الحركة في احتجاجات أو اعتصامات قرب المؤسسات الرسمية.
العودة إلى عمليات محدودة بأسماء غير معروفة إذا تعرضت قياداتها أو مصالحها للاستهداف.
ويُرجح أن تكون النجباء أكثر استعداداً من بعض الفصائل الأخرى لتحمل العزلة السياسية، لكنها قد تكون أقل قدرة من كتائب حزب الله على خوض مواجهة طويلة مع أجهزة الدولة من دون دعم فصائلي وإيراني مباشر.

3. كتائب سيد الشهداء: بين التشدد وإمكانية التسوية
تأسست كتائب سيد الشهداء عام 2013، وترتبط داخل هيئة الحشد الشعبي باللواء الرابع عشر. وشاركت في القتال داخل العراق وسوريا، كما حافظت على علاقة وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني وفصائل محور «المقاومة».
وتتبنى الكتائب بقيادة أبو آلاء الولائي موقفاً رافضاً لتسليم السلاح، وتقدم استمرار قدراتها العسكرية باعتباره ضرورة لمواجهة التهديدات الخارجية. كما أعلنت «تنسيقية المقاومة» من خلال منصات مرتبطة بكتائب سيد الشهداء موقفاً واضحاً بعنوان «لا تسليم للسلاح». الموقع الرسمي لكتائب سيد الشهداء
لكن موقف الكتائب يبدو أكثر قابلية للتفاوض مقارنة بكتائب حزب الله والنجباء. ويرتبط ذلك بعلاقات أبو آلاء الولائي مع قوى داخل الإطار التنسيقي، وقدرته على التحرك بين الخطاب العسكري والعمل السياسي.
وقد تختار الكتائب تقديم نفسها وسيطاً بين الحكومة والفصائل المتشددة، بما يحافظ على موقعها داخل محور «المقاومة» ويجنبها الاستهداف الخارجي أو الملاحقة الداخلية.
ولا يعني قبول التفاوض استعدادها للتفكيك الكامل. فالسيناريو الأكثر واقعية بالنسبة إليها هو إدخال السلاح ضمن مخازن هيئة الحشد الشعبي، مع الحفاظ على اللواء الرابع عشر وعناصره وقياداته ومصادر نفوذه.
خيارات كتائب سيد الشهداء
التوصل إلى اتفاق مبكر مع الحكومة مع وصفه بأنه «تنظيم للسلاح».
تسليم جزء من الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة مع الاحتفاظ بالأسلحة الفردية.
دمج الوحدات القتالية بصورة أوسع داخل هيئة الحشد.
القيام بدور الوسيط بين الحكومة وكتائب حزب الله والنجباء.
العودة إلى الرفض الكامل إذا اعتبرت أن الحكومة تستهدف وجود الفصائل وليس السلاح المنفلت فقط.
وتزداد احتمالات التسوية مع كتائب سيد الشهداء إذا حصلت على ضمانات بعدم ملاحقة قياداتها أو المساس بمواردها ونفوذها داخل الحشد. أما إذا فرضت واشنطن شروطاً تتضمن تفكيك الكتائب أو اعتقال قياداتها، فقد ينتقل موقفها سريعاً من التفاوض إلى التصعيد.

4. حركة أنصار الله الأوفياء: فصيل أصغر ضمن شبكة الرفض
ترتبط حركة أنصار الله الأوفياء باللواء التاسع عشر في الحشد الشعبي، ولديها جناح سياسي معروف باسم حركة أو كيان الصدق والعطاء. وتعد الحركة جزءاً من شبكة الفصائل المرتبطة بإيران، وسبق أن نُسب إليها نشاط عسكري ضد القوات الأميركية وقوات التحالف.
ولا تمتلك الحركة الوزن العسكري والسياسي نفسه الذي تتمتع به كتائب حزب الله، لكنها تستمد جزءاً من قوتها من علاقتها بالفصائل الكبرى ومن وجودها الرسمي داخل الحشد الشعبي.
وتُصنفها الولايات المتحدة، إلى جانب حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، منظمة إرهابية أجنبية منذ سبتمبر/أيلول 2025. ويزيد هذا التصنيف من حجم الضغط الذي يمكن أن تتعرض له الحكومة العراقية، كما يحد من قدرة الحركة على التحرك المالي والسياسي بصورة علنية. وزارة الخارجية الأميركية
ويميل موقف الحركة إلى رفض نزع السلاح والتمسك بخطاب «قدسية سلاح المقاومة». ومع ذلك، فإن قدرتها على مواجهة الحكومة بصورة منفردة تبقى محدودة، ولذلك ستعتمد بدرجة كبيرة على موقف كتائب حزب الله والنجباء.
فإذا توصلت الفصائل الكبرى إلى تسوية، يُرجح أن تنضم الحركة إليها. أما إذا تشكلت جبهة رفض موحدة، فقد تلعب دوراً مساعداً في الحشد الشعبي والاحتجاجات والعمليات منخفضة الظهور.


5. هل يشكل الرافضون جبهة موحدة؟
على الرغم من التشابه في خطاب الفصائل الأربعة، فإن تشكيل جبهة موحدة ضد الحكومة ليس أمراً مضموناً. فالفصائل تختلف في مستوى ارتباطها بالمؤسسات الرسمية، وحجم مصالحها الاقتصادية، وعلاقاتها مع القوى السياسية، واستعدادها لمواجهة الولايات المتحدة أو الحكومة العراقية.
وقد تسعى الحكومة إلى استثمار هذه الاختلافات من خلال التفاوض مع كل فصيل بصورة منفصلة، وتقديم ضمانات وامتيازات للفصائل الأكثر مرونة، بهدف عزل كتائب حزب الله والنجباء.
وتشكل هذه الاستراتيجية خطراً على الفصائل المتشددة، لأنها قد تجد نفسها أمام خيارين:
قبول تسوية جزئية بعد خسارة حلفائها.
الانسحاب إلى العمل السري ورفع مستوى التهديد الأمني.
وفي المقابل، قد تعمل كتائب حزب الله على منع الاتفاقات المنفردة، لأن تفكك جبهة الرفض سيجعلها الهدف الرئيسي للحكومة والضغط الأميركي.

6. كيف يمكن أن تتطور الخلافات بعد انتهاء المهلة؟
من غير المرجح أن تنتقل الأزمة مباشرة من التفاوض إلى الحرب. والأرجح أن تمر عبر مراحل متدرجة، مع إمكان التراجع أو الانتقال إلى مرحلة أعلى بحسب ردود الأطراف.
المرحلة الأولى: التصعيد السياسي والإعلامي
ستبدأ المواجهة، على الأرجح، عبر البيانات والخطابات والضغط داخل البرلمان والحكومة. وقد تستخدم القوى السياسية المرتبطة بالفصائل أدواتها لعرقلة الموازنة أو التعيينات الأمنية أو التشريعات التي تحتاج إليها الحكومة.
كما قد تُتهم الحكومة بأنها تنفذ مشروعاً أميركياً يستهدف الحشد الشعبي بأكمله، حتى لو أكدت أنها تستهدف الفصائل الخارجة عن القيادة الرسمية فقط. والهدف من خلط المفهومين هو توسيع قاعدة الاعتراض وتحويل القضية من نزاع مع فصائل محددة إلى مواجهة تمس مؤسسة الحشد وجمهورها.

المرحلة الثانية: تحريك الشارع والضغط على المؤسسات
إذا بدأت الحكومة بإغلاق المقار أو مصادرة الأسلحة، يمكن أن تلجأ الفصائل إلى تنظيم احتجاجات واعتصامات تحت عنوان «الدفاع عن الحشد» أو «رفض التدخل الأميركي».
وقد تشمل هذه التحركات:
تجمعات قرب المنطقة الخضراء.
قطع طرق رئيسية في بغداد أو المحافظات الجنوبية.
تطويق مؤسسات حكومية.
استعراضات مسلحة غير رسمية.
استخدام مناسبات دينية أو تشييع قتلى لحشد الأنصار.
وسيكون الهدف الضغط على الحكومة وإظهار أن تكلفة التنفيذ الأمني أعلى من تكلفة التراجع أو تمديد المفاوضات.

المرحلة الثالثة: العصيان الأمني المحدود
قد ترفض بعض الوحدات التابعة للفصائل تنفيذ أوامر هيئة الحشد المتعلقة بإخلاء مواقع أو تسليم أسلحة. وهنا يظهر أول اختبار حقيقي لسلطة رئيس هيئة الحشد والقائد العام للقوات المسلحة.
وقد يتخذ العصيان صورة تأخير تنفيذ الأوامر أو نقل الأسلحة قبل وصول لجان التفتيش أو منع القوات الحكومية من دخول مواقع معينة. ويمكن أن تحدث احتكاكات محدودة عند الحواجز والمقار من دون صدور قرار مركزي بالمواجهة.

المرحلة الرابعة: الضغط السري والاغتيالات
إذا تصاعد الخلاف، قد تلجأ شبكات مجهولة إلى تهديد أو استهداف شخصيات مشاركة في تنفيذ خطة نزع السلاح، مثل ضباط الحشد والجيش وأعضاء اللجان الحكومية والقضاة والناشطين الداعمين لحصر السلاح.
وقد تشمل أدوات الضغط السري:
رسائل تهديد للضباط والمسؤولين.
حملات تشهير وتسريب معلومات شخصية.
استهداف منازل أو مكاتب بقنابل صوتية أو عبوات محدودة.
اغتيالات انتقائية.
هجمات إلكترونية على مؤسسات الدولة.
تخريب مخازن أو وثائق مرتبطة بعملية الحصر.
وسيكون الهدف إضعاف إرادة التنفيذ من داخل المؤسسات، من دون الدخول في مواجهة عسكرية مكشوفة.

المرحلة الخامسة: اشتباكات محدودة
يمكن أن تقع الاشتباكات إذا حاولت قوة حكومية اعتقال قائد بارز أو السيطرة على مخزن استراتيجي للصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد تبدأ المواجهة في موقع واحد ثم تمتد إلى مناطق أخرى إذا تدخلت فصائل حليفة.
لكن جميع الأطراف ستسعى غالباً إلى احتواء الاشتباك سريعاً، لأن توسعه داخل بغداد أو المحافظات الجنوبية قد يؤدي إلى صراع شيعي–شيعي يهدد النظام السياسي بكامله.
وقد تتدخل المرجعيات الدينية وقيادات الإطار التنسيقي وإيران للتوصل إلى وقف إطلاق نار، يعقبه اتفاق جديد أو تمديد غير معلن للمهلة.

المرحلة السادسة: المواجهة الأوسع
يبقى احتمال المواجهة العسكرية الواسعة منخفضاً، لكنه قد يرتفع في ثلاث حالات:
1. تنفيذ اعتقالات واسعة بحق قيادات الفصائل.
2. شن ضربات أميركية أو خارجية بالتنسيق مع الحكومة العراقية أو بمعلومات منها.
3. إصرار الحكومة على تفكيك الفصائل سياسياً واقتصادياً، وليس جمع أسلحتها فقط.
وفي حال توسعت المواجهة، لن تكون بالضرورة حرباً تقليدية بين جيش وفصائل. فقد تتخذ شكل هجمات متفرقة على القواعد والمطارات والمنطقة الخضراء والبنية التحتية للطاقة، بالتوازي مع اغتيالات واضطرابات سياسية وإعلامية.
ويكمن الخطر الأكبر في انقسام الأجهزة الرسمية نفسها، نظراً إلى وجود عناصر وقادة مقربين من الفصائل داخل بعض المؤسسات الأمنية. وقد يؤدي ذلك إلى تسريب الأوامر وتحذير الفصائل مسبقاً، أو رفض بعض الوحدات المشاركة في العمليات.

7. التداعيات المحتملة على العراق
أزمة داخل البيت الشيعي
قد يتحول الملف إلى انقسام بين قوى شيعية تفضل حماية الدولة وتجنب العقوبات، وأخرى تعتبر نزع السلاح استهدافاً لمحور المقاومة. ولن يكون الانقسام عسكرياً منذ البداية، لكنه قد يعيد تشكيل التحالفات الحكومية والانتخابية.
شلل حكومي
تستطيع القوى المرتبطة بالفصائل استخدام البرلمان والوزارات لتعطيل برنامج الحكومة، بما في ذلك الموازنة والتعيينات والإصلاحات الاقتصادية. وقد تصبح استقالة الحكومة أو سحب الثقة منها إحدى أدوات الضغط إذا أصر رئيس الوزراء على التنفيذ.
توتر أمني في بغداد والجنوب
تتركز القواعد الاجتماعية والسياسية للفصائل في بغداد ومحافظات وسط وجنوب العراق. ولذلك قد تؤدي المواجهة إلى احتجاجات وإغلاق طرق ومقار حكومية، وإلى صدامات محلية بين أنصار الفصائل والقوات الأمنية.
تصاعد التدخلات الخارجية
إذا فشلت الحكومة في منع الهجمات المنطلقة من العراق، فقد تتجه الولايات المتحدة أو دول متضررة إلى تنفيذ ضربات مباشرة. وفي المقابل، قد تزيد إيران دعمها للفصائل الأكثر تشدداً أو تعتمد على خلايا صغيرة ترتبط بها بصورة مباشرة.
استفادة تنظيم داعش
قد يستفيد تنظيم «داعش» من انشغال القوات العراقية والحشد بالصراع الداخلي، خصوصاً في المناطق الصحراوية والحدودية. كما يمكن أن تؤدي إعادة انتشار وحدات الحشد أو انسحابها من بعض المناطق إلى ظهور ثغرات أمنية مؤقتة.

التقدير الأولي
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الرفض العلني بالتوازي مع مفاوضات سرية تؤدي إلى تسوية جزئية. وستسلم بعض الفصائل جزءاً من سلاحها أو تنقله إلى هيئة الحشد الشعبي، بينما تحتفظ التشكيلات الأكثر تشدداً بقدرات سرية.
أما الانتقال إلى اغتيالات أو اشتباكات محدودة، فيبقى احتمالاً متوسطاً إذا حاولت الحكومة تنفيذ عمليات اعتقال أو مصادرة فعلية. في حين تظل المواجهة العسكرية الشاملة احتمالاً منخفضاً، لكنه بالغ الخطورة إذا ترافق الضغط الحكومي مع ضربات خارجية أو انقسام داخل الحشد الشعبي.
وبذلك، قد لا يكون الخطر الرئيسي بعد 30 سبتمبر اندلاع حرب مباشرة، وإنما دخول العراق في مرحلة طويلة من التوتر الأمني المنخفض، والعصيان غير المعلن، وتعدد الخلايا السرية، والصراع داخل مؤسسات الدولة.

السيناريوهات المتوقعة بعد 30 سبتمبر
لا يُرجح أن تمثل نهاية المهلة نقطة حسم فورية، بل بداية مرحلة جديدة من التفاوض والضغط وإعادة تشكيل علاقة الفصائل بالدولة. ويمكن تحديد أربعة سيناريوهات رئيسية، مرتبة بحسب درجة احتمالها:
السيناريو الأول: تسوية جزئية وإعادة تنظيم السلاح
درجة الاحتمال: مرتفعة
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويقوم على إعلان عدد من الفصائل تسليم جزء من أسلحتها أو نقلها إلى مخازن تابعة لهيئة الحشد الشعبي، مع دمج بعض الوحدات والعناصر ضمن التشكيلات الرسمية.
وفي المقابل، تحصل الفصائل على ضمانات بعدم تفكيك أجنحتها السياسية أو ملاحقة قياداتها، بينما تحتفظ التشكيلات الأكثر تشدداً بجزء من قدراتها النوعية داخل مواقع غير معلنة.
مؤشرات تحقق السيناريو:
تشكيل لجان مشتركة بين الحكومة وهيئة الحشد والفصائل.
تسليم أسلحة ومقار بصورة تدريجية وغير علنية.
استخدام تعبير «تنظيم السلاح» بدلاً من «نزع السلاح».
تراجع الخطاب التصعيدي مقابل استمرار المفاوضات.
عدم تنفيذ اعتقالات واسعة بحق قيادات الفصائل.

السيناريو الثاني: تمديد فعلي للمهلة واستمرار الوضع القائم
درجة الاحتمال: متوسطة إلى مرتفعة
قد ينتهي 30 سبتمبر من دون إعلان رسمي عن التمديد، بينما تستمر المفاوضات تحت عناوين حصر الأسلحة وتسجيل العناصر وإعادة الانتشار. وبذلك تتحول المهلة إلى محطة سياسية، لا موعد ملزم للتنفيذ.
يسمح هذا السيناريو للحكومة بتجنب الصدام، لكنه يضعف مصداقيتها ويمنح الفصائل وقتاً لنقل الأسلحة وإخفاء القدرات النوعية وإعادة ترتيب هياكلها.
مؤشرات تحقق السيناريو:
غياب خطة تنفيذية واضحة بعد انتهاء المهلة.
استمرار الاجتماعات من دون جداول زمنية جديدة.
تجنب الحكومة تسمية الفصائل الرافضة.
إغلاق مقار محدودة من دون المساس بالبنية الأساسية.
استمرار السلاح والانتشار العسكري بصور أقل ظهوراً.

السيناريو الثالث: ضغط أمني واشتباكات محدودة
درجة الاحتمال: متوسطة
قد تلجأ الحكومة إلى إجراءات انتقائية ضد فصيل أو موقع محدد لإظهار جديتها، مثل السيطرة على مخزن للسلاح أو اعتقال قائد ميداني أو إغلاق مقر غير مرخص. ويمكن أن يقابل ذلك بانتشار مسلح أو احتجاجات أو اشتباكات محدودة.
ومن المرجح أن تتدخل القوى السياسية والمرجعيات وإيران لاحتواء المواجهة قبل توسعها، مع العودة إلى تسوية جديدة بشروط مختلفة.
مؤشرات تحقق السيناريو:
صدور مذكرات توقيف بحق قيادات أو مسؤولين ميدانيين.
تحركات للقوات الحكومية قرب مقار الفصائل.
استنفار مسلح داخل بغداد أو المحافظات الجنوبية.
تهديد ضباط وأعضاء اللجان المسؤولة عن حصر السلاح.
تصاعد الهجمات مجهولة الجهة ضد المؤسسات الحكومية.
السيناريو الرابع: مواجهة واسعة وانقسام داخل المؤسسات الأمنية
درجة الاحتمال: منخفضة، لكن تداعياته شديدة الخطورة
يمكن أن يتحقق هذا السيناريو إذا حاولت الحكومة تفكيك الفصائل بالقوة، أو نفذت اعتقالات واسعة، أو تزامنت إجراءاتها مع ضربات أميركية أو خارجية ضد مواقع وقيادات الفصائل.
وقد تتخذ المواجهة شكل اشتباكات متفرقة وهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ وعمليات اغتيال، إلى جانب اضطرابات سياسية وانقسام داخل بعض تشكيلات الحشد والأجهزة الأمنية.
مؤشرات تحقق السيناريو:
انهيار قنوات التفاوض بين الحكومة والفصائل.
انتقال أسلحة ثقيلة إلى بغداد ومحيط المنطقة الخضراء.
انقسام ألوية أو قيادات داخل هيئة الحشد الشعبي.
استهداف المطارات والقواعد والبنية التحتية للطاقة.
تدخل إيراني أو أميركي مباشر في مسار المواجهة.

التقدير الاستراتيجي والخلاصة
تقدر الدراسة أن مهلة 30 سبتمبر لن تؤدي إلى نزع شامل لسلاح الفصائل العراقية، لكنها قد تنجح في تقليص ظهورها العسكري العلني وإدخال جزء من أسلحتها ومقارها ضمن سيطرة هيئة الحشد الشعبي.
وسيكون الإنجاز الحكومي الحقيقي مرهوناً بقدرتها على نقل قرار استخدام السلاح إلى القائد العام للقوات المسلحة، وليس بمجرد نقل الأسلحة من مخازن الفصائل إلى مخازن تحمل صفة رسمية. فإذا استمرت شبكات القيادة والتمويل والاتصال الخارجي في العمل بصورة مستقلة، فإن العملية ستمثل إعادة تنظيم للسلاح أكثر من كونها نزعاً فعلياً له.
أما الفصائل، فستحاول تجنب مواجهة شاملة قد تهدد وجودها السياسي والاقتصادي. ولذلك يُرجح أن تقبل بتنازلات محدودة، مع الاحتفاظ بقدرات سرية تضمن لها الردع وإمكانية العودة إلى النشاط العسكري عند تغير الظروف.
وبالنسبة إلى إيران، فإن التسوية الجزئية لا تعني بالضرورة خسارة نفوذها في العراق. فقد تقبل طهران بخفض الظهور العسكري للفصائل الكبيرة، مقابل الحفاظ على القيادات الموالية لها والوحدات المتخصصة في الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات السرية.
وسيمنح نجاح الحكومة في إخضاع السلاح لقيادة الدولة العراق فرصة لتعزيز سيادته، والحد من الضربات الخارجية، وتحسين علاقاته مع الولايات المتحدة ودول الخليج. أما فشلها، فسيكرس ازدواجية السلطة ويثبت أن المؤسسات الرسمية لا تزال عاجزة عن احتكار القرار العسكري.
وعليه، لا تكمن خطورة مرحلة ما بعد 30 سبتمبر في احتمال اندلاع حرب داخلية مباشرة فقط، بل في استمرار حالة وسطية أكثر تعقيداً: فصائل أقل ظهوراً، وخلايا أكثر سرية، وسلاح يحمل غطاءً رسمياً بينما يبقى قرار استخدامه خارج الدولة.
وتخلص الدراسة إلى أن 30 سبتمبر لن يكون نهاية سلاح الفصائل، بل اختباراً لقدرة الدولة العراقية على تحويل شرعيتها القانونية إلى سلطة فعلية. وسيُقاس نجاح العملية بمكان صدور الأمر باستخدام السلاح، لا بالمكان الذي يُخزن فيه.



اترك تعليقاً